انتصار دبلوماسي للجزائر.. الاتحاد الأوروبي يجمّد عقوبات الميثان ثلاث سنوات
الجزائرالٱن _ في خطوة تحمل دلالات اقتصادية بالغة الأهمية، أوصت المفوضية الأوروبية بمنح مستوردي النفط والغاز والفحم مهلة إعفاء من العقوبات المرتبطة بمخالفات لائحة الميثان تمتد على ثلاث سنوات كاملة، تغطي أعوام 2027 و2028 و2029.
جاء هذا التوجه ثمرة ضغوط مشتركة قادتها كل من الجزائر والولايات المتحدة وقطر ونيجيريا، بمساندة غالبية الدول الأوروبية والشركات المستوردة للطاقة، وفق ما كشفته وثيقة صادرة عن بروكسل يوم 20 يوليو 2026 تحت الرقم “C(2026) 5176 final”.
توصية غير ملزمة لا تلغي الالتزامات البيئية
تنص الوثيقة على مطالبة الدول الأعضاء بالامتناع عن فرض العقوبات المقررة على المستوردين المخلين بالتزاماتهم خلال السنوات الثلاث المقبلة، باستثناء الحالات التي تنطوي على غش صريح.
غير أن هذا الإجراء يبقى مجرد توصية أوروبية غير ملزمة قانوناً، إذ لا يمس لائحة الاتحاد رقم 2024/1787 ولا يُسقط متطلبات قياس انبعاثات الميثان والإبلاغ عنها والتحقق منها، ما يعني بقاء الالتزامات البيئية سارية مع تعليق مؤقت للعقوبات المالية فقط.
وقررت المفوضية مراقبة تطبيق هذه المهلة وإعادة تقييمها في موعد أقصاه فاتح يناير 2028، ما يجعل استمرارها مرهوناً بتطورات أمن الإمدادات وأسواق الطاقة العالمية.
رسالة مشتركة من أربع دول مصدّرة كبرى
لم يأت هذا التراجع الأوروبي من فراغ، بل سبقته رسالة موجهة إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي بتاريخ 24 يونيو 2026، وقّعها وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب، ونظيره الأمريكي كريس رايت، إلى جانب وزيري الطاقة القطري والنيجيري.
طالبت الرسالة بمنح الشركات مهلة انتقالية وتعليق العقوبات وحماية العقود الموقعة أثناء فترة تعديل آليات الامتثال، محذرة من أن القواعد الحالية قد تعرض جزءاً واسعاً من واردات الطاقة الأوروبية لمخاطر قانونية اعتباراً من 2027.
وشددت الدول الموقعة على أن غياب ضمانات كافية يهدد عقود الطاقة متعددة السنوات ذات القيم الضخمة، خصوصاً أن المستورد الأوروبي يظل مسؤولاً عن بيانات انبعاثات تخص منشآت تقع خارج حدود الاتحاد.
من الرفض المبدئي إلى التسوية العملية
كان مفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن قد أكد نهاية يونيو أن المفوضية لا تعتزم إعادة فتح اللائحة، قبل أن تتجه لاحقاً نحو خيار وسط يبقي النص القانوني قائماً مع تجميد أثره العقابي مؤقتاً.
وبذلك وازنت بروكسل بين الحفاظ على أهدافها المناخية من جهة، وتقديم تنازل عملي لصالح الدول المصدّرة والمستوردين الأوروبيين من جهة أخرى.
وعزز الموقف تحرك داخلي أوروبي مواز، إذ طالبت 17 دولة من أصل 27 عضواً في الاتحاد بتأجيل العقوبات أو توضيح شروط تطبيقها، وفق ما نقلته وكالة رويترز، بعد تحذيرات من أن الغرامات قد تصل إلى 20% من رقم أعمال الشركات المخالفة.
لائحة الميثان.. التزامات تدريجية منذ 2024
دخلت لائحة الميثان حيز التنفيذ في 4 أغسطس 2024، فارضة التزامات تصاعدية على مستوردي الغاز والنفط والفحم، تشمل تقديم بيانات سنوية عن طرق قياس الانبعاثات وخفضها وإثبات تكافؤ معايير الإنتاج المستورد مع المعايير الأوروبية.
وتنطبق شروط التكافؤ أساساً على العقود الموقعة أو المجددة بعد هذا التاريخ، فيما يتعين على أصحاب العقود الأقدم إثبات بذل جهود معقولة للحصول على البيانات المطلوبة، على أن يبدأ الإبلاغ الفعلي عن كثافة الانبعاثات في أغسطس 2028.
وكشفت التوصية أن أقلية فقط من الدول الأعضاء أبلغت المفوضية باعتماد أنظمة عقوبات وطنية، رغم إلزام الجميع بوضع قواعد رادعة، ما خلق حالة من الغموض لدى المستوردين بشأن المخاطر المالية المحتملة.
أزمة الطاقة العالمية خلفية القرار
بررت المفوضية هذه المهلة بتصاعد المخاطر المحدقة بأمن الطاقة الأوروبي، عقب اضطرابات حادة شهدتها أسواق النفط والغاز منذ نهاية فبراير 2026، أثّرت في نحو 20% من إمدادات الغاز المسال عالمياً و25% من تجارة النفط البحرية.
وتسببت هذه الأزمة في فقدان أكثر من 13 مليون برميل يومياً من المعروض النفطي، فيما بلغت الخسائر التراكمية نحو 3 مليارات برميل، مع قفزة أسعار برنت إلى 118 دولاراً للبرميل نهاية مارس، وصعود الغاز الأوروبي إلى 62 يورو لكل ميغاواط/ساعة في منتصف الشهر ذاته.
ورغم تراجع الأسعار لاحقاً خلال يونيو إلى نحو 80 دولاراً للنفط و42 يورو للغاز، ظلت الأسواق هشة أمام التقلبات، خصوصاً أن إصلاح بعض منشآت الطاقة المتضررة قد يستغرق ما بين 3 و5 سنوات.
بدائل محدودة تعزز موقف الموردين التقليديين
تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى إمكانية توفير ما يصل إلى 200 مليار متر مكعب من الغاز عالمياً عبر إصلاح التسربات ووقف الحرق الروتيني، غير أن 15 مليار متر مكعب فقط قابلة للتوفير في الأجل القصير.
والمعضلة أن غالبية هذه الكميات المتاحة سريعاً توجد في دول تفتقر لمسارات تصدير عملية نحو أوروبا، ما يحد من قدرة الاتحاد على استبدال مورديه الحاليين بسرعة، ويعزز بالتالي أهمية الشركاء التقليديين كالجزائر.
المكاسب الجزائرية: مساحة أوسع وأمان تعاقدي
بالنسبة للجزائر، تقلص هذه التوصية بشكل مباشر مخاطر العقوبات التي كانت تهدد الشركات الأوروبية المستوردة للغاز الجزائري، وتفتح المجال أمام تجديد العقود القائمة وإبرام اتفاقات جديدة دون قلق قانوني فوري.
كما تمنح المهلة مجمع سوناطراك وقتاً إضافياً لاستكمال أنظمة قياس الانبعاثات والتحقق منها وتبادل البيانات مع الشركاء الأوروبيين، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لعقود الغاز المنقول عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال على حد سواء.
سوناطراك مستمرة في التزاماتها البيئية
لا تعفي هذه المهلة سوناطراك من مواصلة استثماراتها في خفض الانبعاثات، إذ تستهدف الشركة خفض نسبة الغاز المحروق إلى أقل من 1% والقضاء التام على الحرق الروتيني بحلول 2030.
وقد تراجع معدل الحرق فعلياً من 5.43% سنة 2020 إلى 3.19% في 2023، بفضل تشغيل وحدات جديدة لاسترجاع الغاز، فيما تستهدف برامج الشركة تجنب انبعاثات تعادل 4 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون بحلول 2026.
2030 موعد حاسم لشروط أكثر صرامة
في المحصلة، نجحت الضغوط التي قادتها الجزائر إلى جانب شركائها الثلاثة في دفع بروكسل نحو تسوية توازن بين الحفاظ على لائحة الميثان وتأجيل تطبيق عقوباتها لثلاث سنوات كاملة.
وتتمثل المكاسب الاقتصادية المباشرة لهذه التسوية في حماية استمرارية عقود الطاقة وتقليص المخاطر القانونية أمام المستوردين، مع بقاء عام 2030 محطة حاسمة يفرض عندها الاتحاد الأوروبي حدوداً أكثر صرامة على كثافة انبعاثات الميثان.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة