آخر الأخبار

حين تتجه البوصلة نحو الجزائر: زيارات أوروبية متتالية وتحوّل في موازين المتوسط

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

● حين تتجه البوصلة نحو الجزائر: زيارات أوروبية متتالية وتحوّل في موازين المتوسط

الجزائرالٱن _ في الخامس والعشرين من مارس 2026، تحلّ رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بالجزائر على رأس وفد وزاري رفيع، في زيارتها الثانية لهذا البلد خلال أقل من ثلاث سنوات.

مصدر الصورة

وفي نفس الأسبوع، يُعدّ وزير الخارجية الإسباني خوسي مانويل ألباريس حقائب سفره نحو الجزائر في أول زيارة رسمية له منذ توليه المنصب، بهدف مُعلن.

مصدر الصورة

وهو تمهيد الأرضية لقمة بين الرئيس تبون ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانتشيز. وتشير معطيات متداولة إلى أن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا سيكون بدوره في الجزائر خلال الفترة ذاتها، في خطوة ستجعل من الجزائر خلال أسابيع قليلة محطةً لثلاثة من أثقل الأسماء في المشهد الأوروبي.

مصدر الصورة

وحضور كوستا بالذات ـ بوصفه ممثلاً لسبع وعشرين دولة لا لبلد واحد ـ يرفع مستوى الرسالة الأوروبية إلى ما هو أبعد من الطاقة وحدها، نحو إعادة تعريف العلاقة مع الجنوب المتوسطي من أساسها.

هذا التراكم الدبلوماسي في هذا التوقيت بالذات ليس توافقاً في المواعيد، بل هو قراءة أوروبية واضحة لخريطة قوى تتشكّل من جديد جنوب المتوسط.

● عندما تُحدّد سوناطراك شروط اللعبة

وكالة بلومبرغ ليست منبراً للخطاب العاطفي، ولذلك حين كشفت عن أن إيطاليا دخلت في مفاوضات مع الجزائر لتأمين كميات إضافية من الغاز، كان ذلك مؤشراً بالغ الدلالة.

مصدر الصورة

لكن الرواية الكاملة أشد إيحاءً، شركة إيني الإيطالية تعيد التفاوض مع سوناطراك لتأمين فائض الإمدادات، وسوناطراك ترفض الشروط التفضيلية وتُلزم الطرف الإيطالي بشراء الكميات الإضافية عبر السوق الفورية حيث الأسعار أعلى بكثير. بعبارة أخرى، الجزائر لا تبيع بسعر الرحمة.

والسياق الذي يجعل هذا الموقف ممكناً اقتصادياً واضح في الأرقام، فإيطاليا استوردت عام 2025 نحو 20,1 مليار متر مكعب من الغاز الجزائري عبر أنبوب “ترانسميد” وحده، أي ما يعادل 31 في المئة من مجموع احتياجاتها.

وإلى جانب الأنبوب، استقبلت إيطاليا 47 شحنة جزائرية من الغاز المسال خلال العام ذاته، بزيادة تتجاوز 50 في المئة مقارنة بعام 2024. وعقود التوريد طويلة الأجل بين إيني وسوناطراك تنتهي في 2027، وهو ما يجعل زيارة ميلوني اليوم ليست زيارة مجاملة، بل قمة غاز بامتياز.

ويزيد المشهد حدةً أن التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج وتعطّل الملاحة في مضيق هرمز أطفآ بند الاطمئنان الأوروبي على الإمدادات نهائياً.

الواردات القطرية لإيطاليا تراجعت بنحو 17 في المئة بسبب تلك الاضطرابات، فيما بقيت الجزائر الجسر الآمن الوحيد الذي لا يتأثر بفوضى الشرق ولا بمزاج الخليج. وحجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 12,98 مليار أورو في 2025، وقد أُبرمت على خلفيته أربعون اتفاقية اقتصادية خلال القمة الحكومية الخامسة المنعقدة في روما في جويلية 2025، تشمل التدريب المهني والصناعة وتصنيع السيارات والكوابل البحرية.

● إسبانيا تدفع ثمن التردد

القصة الإسبانية أشد إيلاماً في دروسها. حين آثر سانتشيز عام 2022 إرضاء الرباط بدعم مقترح الحكم الذاتي المغربي المزعوم في الصحراء الغربية، ردّت الجزائر بما يكفي لإثبات أنها تعرف ثقل ورقتها، علّقت معاهدة الصداقة والتعاون، وأوقفت ضخ الغاز عبر أنبوب “مدغاز” المار بالأراضي المغربية، وكبّدت الشركات الإسبانية خسائر بالمئات من الملايين في أشهر معدودة.

وكانت الصحافة الإسبانية وقتها تكتب أن سانتشيز بات زعيماً أوروبياً غير مرغوب فيه في الجزائر.

لم تمضِ سنوات حتى عاد الوزير ألباريس للتحضير لقمة، وعاد سانتشيز عن موقفه جزئياً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مطالباً بحل سياسي مقبول من الطرفين في الصحراء الغربية.

الجزائر لم تكن هي من عدّلت موقفها. وإسبانيا كانت ولا تزال من أكبر مستوردي الغاز الجزائري في أوروبا، وتجري حالياً مفاوضات لتأمين كميات إضافية عبر شركة ناتورجي الإسبانية، في ظل منافسة محتدمة على الإمدادات الجزائرية مع إيطاليا وآخرين.

● فرنسا حاضرة بغيابها

لا يمكن قراءة هذا المشهد دون رصد الغياب الأكثر صخباً، غياب فرنسا.

فيما تتسابق روما ومدريد على الوصول إلى الجزائر، تُحذّر الوزيرة الفرنسية السابقة سيغولين رويال، رئيسة جمعية فرنسا الجزائر، الرئيسَ ماكرون صراحةً من أن فرنسا ستخسر القدرة على الاستفادة من الطاقة الجزائرية المتنامية ما لم تُحسم الأزمة.

وهذا التحذير الفرنسي الداخلي هو شهادة على ما آلت إليه الأمور، ودليل على أن الخسارة الفرنسية في الجزائر باتت محلّ قلق داخل فرنسا نفسها قبل أي مكان آخر.

الغائب الفرنسي لا يُعبّر فقط عن أزمة ثنائية بين باريس والجزائر، بل عن فشل باريس في استيعاب أن الجزائر لم تعد ترى في العلاقة معها امتيازاً تاريخياً يستحق الحفاظ عليه بأي ثمن.

وحين تجد إيطاليا وإسبانيا مقعداً على طاولة الجزائر فيما تقف فرنسا خارج الباب، يكون الدرس بلاغياً بما يكفي.

● الجزائر لا تُعلن ثقلها.. بل تجعلك تشعر به

ثمة مؤشر واحد يُفسّر كل ما يجري، وهو أنّ الجزائر لم تعد تُفاوض من موقع الحاجة إلى الشريك، بل من موقع من يعرف أن الشريك يحتاجه أكثر. سوناطراك تشترط السوق الفورية لا العقود التفضيلية.

والجزائر لا تُعلن وصولها إلى موقع القوة، بل تجعل الآخرين يُعلنون ذلك بزياراتهم وتنازلاتهم ومراجعاتهم.

البوصلة الأوروبية التي توجّهت طويلاً نحو الشمال والغرب تتجه اليوم جنوباً بإلحاح لا يخطئه أحد. والجزائر ليست محطة توقف في هذا التوجه، بل قطب جاذب تتقاطع عنده مصالح الطاقة والأمن والهجرة في آنٍ واحد.

الدول التي أدركت هذا مبكراً قطفت ثماره، والدول التي أبطأت في الفهم دفعت ضريبة التأخر. أما الجزائر، فلا تُراجع علاقاتها مع العالم، بل تُعيد كتابة شروطها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا