يبدو الأمر مألوفا في كثير من العائلات ومجموعات الأصدقاء بأن تجد شخصا يتعرض للدغات البعوض باستمرار، بينما يجلس الآخرون بالقرب منه من دون أن يلاحظوا وجود الحشرات. يوصف هذا الشخص عادة بأنه "مغناطيس للبعوض"، غير أن هذا الوصف ليس مجرد دعابة تقال لتعيسي الحظ الذين تستهدفهم هذه الحشرات المزعجة، فقد أثبت العلم صحتها؛ بالفعل هناك أشخاص دون غيرهم يجذبون البعوض بصورة أكبر. لكن، لماذا؟
لا يتعلق الأمر بكمية الدم أو لون الملابس فحسب، بل يرتبط بصورة أساسية بتركيبة روائح الجسم، والمواد الكيميائية المنبعثة من الجلد، وحتى أنواع البكتيريا التي تعيش على سطحه.
وتستخدم إناث البعوض مجموعة معقدة من الإشارات للعثور على الإنسان، تشمل الرؤية والشم والحرارة والرطوبة وثاني أكسيد الكربون الناتج عن التنفس.
ووفقا لمراجعة علمية منشورة في دورية "تريندز إن باراسيتولوجي"، متاحة عبر منصة "ساينس دايركت"، تمر عملية بحث البعوض عن ضحيته بعدة مراحل، تبدأ بتنشيط الحشرة، ثم انجذابها إلى الروائح من مسافات بعيدة، وصولا إلى التحليق حول الإنسان والهبوط عليه.
وتشير المراجعة إلى أن الروائح المنبعثة من جلد الإنسان تؤدي دورا أساسيا في هذه العملية، حيث تُفرز كثير من المركبات المتطايرة الموجودة على الجلد بفعل نشاط الميكروبيوم الجلدي، أي مجموعة البكتيريا والكائنات الدقيقة التي تعيش بصورة طبيعية على سطح الجلد.
وتحوّل هذه البكتيريا بعض المركبات الموجودة في العرق إلى مواد كيميائية ذات روائح مميزة، يمكن أن يستخدمها البعوض إشارات تساعده على الوصول إلى الإنسان.
في دراسة مولتها المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية، وقادها باحثون من جامعة روكفلر ومعهد هوارد هيوز الطبي، حاول العلماء تحديد المركبات الموجودة على جلد الإنسان التي تجعل بعض الأشخاص أكثر جذبا لبعوض "الزاعجة المصرية"، وهو النوع الذي ينقل فيروسات مثل حمى الضنك والحمى الصفراء وزيكا.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة "سيل" عام 2022، وشملت 64 متطوعا ارتدوا أكماما من النايلون على أذرعهم لمدة 6 ساعات، ثم جمع الباحثون العينات وقارنوا بينها لمعرفة أيها يجذب البعوض أكثر.
وكانت النتائج لافتة، إذ جذبت عينة الشخص الأكثر تفضيلا لدى البعوض الحشرات بمعدل يفوق عينة الشخص التالي في الترتيب بـ4 مرات، وبأكثر من 100 مرة مقارنة بعينات الأشخاص الأقل جذبا.
وجد الباحثون أن الأشخاص الأكثر جذبا للبعوض لديهم مستويات أعلى من مركبات تُسمى الأحماض الكربوكسيلية، وهي فئة من المركبات العضوية توجد بعض أنواعها ضمن الإفرازات والمواد الدهنية على سطح الجلد.
وبحسب الدراسة نفسها، ظلت مستويات هذه المركبات مستقرة لدى المشاركين لمدة عام أو أكثر، رغم تغير الظروف البيئية أو العادات اليومية، مما يشير إلى أن قابلية بعض الأشخاص لجذب البعوض قد تكون صفة ثابتة نسبيا.
وقالت الباحثة ماريا إيلينا دي أوبالديا، إحدى المشاركات في الدراسة، إن بعض المشاركين الذين كانوا بمنزلة "مغناطيس للبعوض" ظلوا كذلك لسنوات، رغم تغير عديد من الظروف المحيطة بهم.
لكن الباحثين أوضحوا أن الدراسة لم تثبت بشكل قاطع أن الأحماض الكربوكسيلية وحدها هي السبب المباشر في جذب البعوض، بل كشفت عن ارتباط بين ارتفاع مستوياتها وزيادة جاذبية الأشخاص للبعوض، وأن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تفاعل هذه المركبات مع غيرها من روائح الجسم.
لا تتكون رائحة الجسم من إفرازات الإنسان وحدها، بل تؤدي البكتيريا الموجودة على الجلد دورا رئيسيا في تكوينها، إذ إن الاختلافات بين الأشخاص في تركيبة الميكروبيوم الجلدي ترتبط بدرجة انجذاب البعوض إليهم.
فقد وجدت دراسات على بعوض "الأنوفيلة الغامبية" أن الأشخاص الأكثر جذبا للبعوض لديهم اختلافات في كمية البكتيريا الموجودة على جلدهم وتنوعها.
كما ارتبط وجود كميات أكبر من بعض أنواع بكتيريا المكورات العنقودية، إلى جانب انخفاض تنوع ميكروبات الجلد، بزيادة جاذبية بعض الأشخاص للبعوض.
لا يعتمد سلوك البعوض على الغريزة وحدها، بل يمكن أن تتغير استجابته للروائح نتيجة تجاربه السابقة.
وتشير الدراسات إلى أن بعوض "الزاعجة المصرية" قادر على ربط بعض الروائح بتجارب إيجابية، مثل الحصول على وجبة دم، مما قد يجعله أكثر انجذابا إليها لاحقا.
كما أظهرت التجارب أن هذا التعلم لا يقتصر على الروائح المحايدة؛ إذ يمكن أن تتغير استجابة البعوض لبعض الروائح المنفرة بعد ربطها بوجبة دم، فتقل درجة نفوره منها، وقد تتحول في بعض الحالات إلى انجذاب.
يرى الباحثون أن فهم العلاقة بين الإنسان والبعوض قد يفتح الباب أمام طرق جديدة للوقاية، لا تعتمد فقط على طاردات الحشرات التقليدية.
وتشير الدراسات إلى أن تعديل تركيبة رائحة الجلد أو التأثير في الميكروبيوم الجلدي قد يصبح مستقبلا إحدى الطرق الممكنة لجعل الإنسان أقل جذبا للبعوض.
كما يعمل العلماء على البحث عن مركبات جديدة طاردة للبعوض باستخدام تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، خاصة أن عددا محدودا فقط من المواد أثبت فعاليته حتى الآن.
إلى جانب رائحة الجلد، تشير الأبحاث إلى وجود عوامل أخرى قد تزيد انجذاب البعوض لبعض الأشخاص، منها:
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة