جيك ليغي هو مزارع من الجيل الثالث في ساسكاتشوان في كندا.
ومنذ أن اشترى جده 640 فداناً في عام 1956، نمت المزرعة إلى حجمها الحالي البالغ 17 ألف فدان، حيث يُزرع فيها الكانولا والقمح والكتان والعدس الأخضر.
في طفولته، كان يشاهد والده وجده يقضيان ساعات طويلة في قيادة الجرّار لزراعة البذور ورش المحاصيل. وكان العرق يغطي قميصيهما بعد تلك الأيام الطويلة والحارة.
يقول ليغي: "كانت الأمور تتم بكفاءة أقل بكثير في ذلك الوقت. أما اليوم، فقد حسّنت التكنولوجيا بشكل كبير العمل الذي نقوم به".
وللحفاظ على قدرة مزرعته على المنافسة، قام ليغي بالعديد من الابتكارات، لا سيّما فيما يتعلق برش المحاصيل.
وبفضل البرمجيات الحاسوبية والكاميرات عن بعد المثبتة على جرّاره من نوع "جون دير"، يستطيع القضاء على الأعشاب الضارة بكفاءة أكبر، وهي ممارسة يتعين على كل مزارع القيام بها قبل زراعة البذور.
يقول ليغي: "يمكن للكاميرات أن تنظر إلى الأسفل وتُطلق رشّةً واحدةً من المبيدات عندما تلتقط أجهزة الاستشعار عشبة ضارة، بينما نسير بسرعة حوالي 15 ميلاً في الساعة".
ويضيف ليغي أن هذه العملية توفر المبيدات، لأن فوهات الرش لا تعمل إلا عند رصد الأعشاب الضارة، على عكس عملية الرش الشامل التي كان يقوم بها سابقاً.
ويشير ليغي إلى أن عائد الاستثمار لإضافة هذه التقنيات الجديدة إلى مزرعته غالباً ما يكون مرتفعاً.
ويقول: "هناك حلول منخفضة التكلفة، ولن تكون باهظة الثمن بقدر تقنيات الرش الجديدة، ويمكن أن تكون هذه الحلول، على سبيل المثال، تطبيقاً على الهاتف لمساعدتك في تتبع المهمات بشكل أفضل".
إنه درس يستوعبه المزارعون في جميع أنحاء أمريكا الشمالية.
فقد أظهر استطلاع أجرته شركة ماكينزي عام 2024 أن 57% من المزارعين في أمريكا الشمالية من المرجح أن يجربوا تقنيات جديدة لزيادة الإنتاجية في العامين المقبلين.
وذكر تقرير آخر صادر عن وزارة الزراعة الأمريكية عام 2022، أنه وفي حين أن عدد المزارع في البلاد يتقلص، فإن المزارع المتبقية أصبحت "كثيفة الاعتماد على التكنولوجيا".
تقول نورا ليك، المالكة والمزارعة في مزارع سويتلاند في فيرمونت، إنه وفي سبيل الحصول على حصاد ناجح، "هناك الكثير من المقارنات بين الحاضر والسنوات السابقة في زراعة المحاصيل".
واستخدمت ليك ذات مرة برنامج "مايكروسوفت إكسل" لإدخال الأرقام، على سبيل المثال، لمحاصيل المزرعة من حصاد حديث، أو سنة معينة، ثم مقارنتها بالسنوات السابقة.
تضيف ليك: "أريد أن أعرف ماذا أنتجنا بالفعل إذا زرعنا 100 قدم مربع من البروكلي؟".
وفي الآونة الأخيرة، بدأت ليك، التي تزرع الخضروات مثل الهليون والطماطم والكوسا، بالإضافة إلى لحوم المواشي التي تُربى في المراعي، باستخدام برمجية وتطبيق من شركة تُسمى "تيند".
أرادت ليك رقمنة وتبسيط تلك المهام الشاقة وتحويلها إلى شكل تقني يمكنها عرضه على هاتفها المحمول أو جهاز الكمبيوتر الخاص بها.
ويمكنها الآن إدخال أرقام الحصاد هذه في برنامج "تيند"، ويمكن للبرنامج أن يقدم لها التفاصيل والنصائح حول كيفية إدارة محصولها على أفضل وجه للحصاد القادم.
تقول ليك: "يمكننا استخدام برنامج تيند لحساب كمية البذور التي نحتاج إلى طلبها بناءً على طول الصفوف لمحصول معين نريد حصاده".
هناك الكثير من التقنيات المتاحة للمزارعين للاختيار من بينها.
تقدم شركة "سينجنتا"، عملاق التكنولوجيا الزراعية ومقرها سويسرا، للمزارعين برنامج "كروب وايز" الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الصناعية لإرشاد المزارعين بشأن ما يجب فعله بمحاصيلهم، أو تنبيههم إلى حالات الطوارئ.
ويقول فيروز شيخ، رئيس قسم المعلومات في مجموعة سينجنتا: "يمكن للنظام أن يُنبه المزارع إلى ضرورة تفقد الركن الجنوبي الشرقي من حقله لوجود خلل ما في تلك المنطقة، مثل تفشي الآفات. كما يحتوي النظام على بيانات أنماط الطقس التي تم جمعها على مدى 20 عاماً، والتي تُغذى إلى نموذج للتعلم الآلي، ما يُتيح لنا معرفة الظروف التي تؤدي إلى كل نتيجة بدقة".
وبفضل هذه البيانات، يستطيع المزارعون، على سبيل المثال، تغطية محاصيلهم قبل موجة الصقيع المفاجئة القادمة التي قد تقضي على جزء كبير من مساحة أراضيهم.
وفي ألمانيا، أسس جان باسكال لوتز شركة "نو ميز"، لمنح المزارعين فهماً أعمق لكيفية أداء المحاصيل المختلفة في ظل الظروف المناخية.
وسيجري طرح برنامج الشركة هذا العام.
ويوضح لوتز قائلاً: "أجرينا اختبارات ميدانية في بيئات متنوعة، ثم أنشأنا محاكاة من خلال نموذجنا الحاسوبي لنمنح العملاء فهماً أفضل، على سبيل المثال، كمية المياه التي يجب استخدامها، وكيفية الحصول على أقصى إنتاجية".
تقول هيذر داربي، وهي مهندسة زراعية ومتخصصة في التربة في جامعة فيرمونت، إن تأثير هذه التقنيات قد يشعر به المستهلك.
وتضيف أن طرح المزيد من المواد الغذائية في السوق قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار.
توضح داربي: "عندما يحصل المزارعون على المساعدة لتجنب فشل المحاصيل، فإن ذلك قد يؤدي إلى بيئة زراعية متَّحَكّمٍ بها أكثر ونظام غذائي موثوق وآمن".
بالعودة إلى ساسكاتشوان، يشير ليغي إلى أن المزارعين الشباب يتجهون إلى التكنولوجيا، أما المزارعون الأكبر سناً فربما يبدون مقاومة تجاه التغييرات الكبيرة.
ويقول ليغي إن على المزارعين أن يكونوا منفتحين على التغيير.
ويضيف: "في النهاية، عندما تفكر في الأمر، ستجد أن بعض هذه المزارع عبارة عن مشاريع تجارية بملايين الدولارات تعيل عائلات متعددة. نحن بحاجة إلى تبني التكنولوجيا التي تناسبنا".
"سمعت أحدهم يقول ذات مرة: إذا تعاملت مع الزراعة كعمل تجاري، فهي طريقة رائعة للعيش، ولكن إذا تعاملت مع الزراعة كطريقة للعيش، فهي عمل تجاري فظيع".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة