آخر الأخبار

من 25 ألف دونم إلى 688.. دفيئة مؤتمتة تختبر مستقبل الزراعة في غزة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بين بيت لاهيا شمالي قطاع غزة ودير البلح وسطه، تذوقنا ثمرتي خيار خرجتا من تجربتين زراعيتين مختلفتين؛ نمت الأولى في أرض زراعية تقليدية عُرفت طويلا بإمداد أسواق القطاع بمحاصيلها، فيما نضجت الثانية داخل دفيئة مؤتمتة تقرأ مستشعراتها احتياجات التربة وتضبط الري والتهوية آليا، ورغم اختلاف المكان وطريقة الزراعة، لم نلحظ في تجربتنا فرقا واضحا في مذاق الثمرتين.

خلف هذا التقارب الحسي، تكشف رحلة كل ثمرة اختلافا أوسع في مساحة الزراعة وكمية المياه والتقنيات المستخدمة؛ ففي بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، أخرج القصف الإسرائيلي خلال حرب الإبادة الإسرائيلية والتجريف مساحات زراعية واسعة من دائرة الإنتاج، وأصاب التربة والآبار وشبكات الري، فيما يحاول فريق من المهندسين والمبرمجين في دير البلح إنتاج المحصول داخل مساحة محدودة، عبر مستشعرات مربوطة بالذكاء الاصطناعي تقرأ رطوبة التربة وحرارة الهواء، وتحول بياناتها إلى أوامر تضبط موعد الري وكميته.

وبين دونمات خرجت من الإنتاج في بيت لاهيا ودفيئة تبلغ مساحتها 250 مترا مربعا، يختبر التقرير قدرة التكنولوجيا على زيادة قيمة كل متر مزروع وكل قطرة ماء، ويتتبع إمكانية إسهام الدفيئات المؤتمتة في استعادة جزء من السلة الغذائية التي فقدها قطاع غزة خلال الحرب.

دفيئة ذكية

بدت الدفيئة في دير البلح جنوبي قطاع غزة على هيئة نفق مقوس يكسوه غطاء بلاستيكي شبه شفاف، فيما ثُبّتت إلى جوارها ألواح للطاقة الشمسية وصندوق تحكم معدني تتوزع على واجهته شاشات رقمية وأزرار ومؤشرات ضوئية، ومن داخل الصندوق، امتدت الأسلاك نحو المستشعرات والمضخات وأنظمة الري والتهوية.

في الداخل، توزعت شتلات الخيار والطماطم والفلفل الأخضر البلدي في صفوف متوازية تفصل بينها ممرات ضيقة، وامتدت أوراقها الخضراء على جانبي خطوط الري، وبين الجذور، غُرست مستشعرات في أعماق مختلفة من التربة، لتمثل قراءة كل منها حالة المساحة المحيطة بها وحاجتها إلى الماء.

إعلان

بدأ مهند البريم، مهندس المشروع ومبرمجه، تشغيل المنظومة بتحميل الشيفرة البرمجية من جهاز الحاسوب إلى وحدة التحكم الإلكترونية، وبعد توصيلها بمصدر الطاقة، أضاءت المؤشرات وظهرت القراءات على الشاشات، لتنتقل الدفيئة من هيكل زراعي صامت إلى منظومة تراقب ظروفها لحظة بلحظة.

مصدر الصورة مهندس المشروع ومبرمجه مهند البريم ينقل الشيفرة البرمجية من حاسوبه إلى لوحة التحكم الإلكترونية لتشغيل منظومة الدفيئة (الجزيرة)

فتح البريم صندوق التحكم المثبت بمحاذاة الدفيئة، حيث تتوزع الأسلاك والمرحّلات ووحدات الحماية التي تربط المستشعرات بالمضخات والمراوح؛ ثم غرس مستشعر رطوبة التربة قرب جذور النباتات، فالتقط حالتها وحولها إلى إشارة كهربائية وصلت إلى وحدة التحكم، وقورنت بالقيم الزراعية المخزنة في البرنامج.

وحين سجل المستشعر انخفاض الرطوبة عن الحد المحدد، وتأكد النظام من توافر المياه وحلول موعد الري، أصدرت وحدة التحكم أمرا بتشغيل المضخة لمدة محسوبة، ثم أوقفتها عند بلوغ التربة مستوى الرطوبة المطلوب.

ويشرح المهندس الزراعي في المشروع صلاح أبو جلالة للجزيرة نت أن الدفيئة تقوم على 3 منظومات مترابطة وهي الري الذكي، وضبط المتغيرات الجوية، والمراقبة والتحكم عن بعد.

وتحدد منظومة الري موعد ضخ المياه وكميتها وفق جدول مبرمج وقراءات لحظية ترسلها المستشعرات المغروسة في التربة، فيما تتابع المنظومة الثانية درجات الحرارة ورطوبة الهواء، وتدير التهوية وفق الحدود الملائمة للمحصول.

أما المنظومة الثالثة، فتعرض حالة التربة والمياه والمضخات والتهوية على واجهة إلكترونية، تمكّن المشرف من متابعة الدفيئة والتدخل عند ظهور خلل أو تغير مفاجئ.

ويضيف أبو جلالة أن مدخلات المنظومة تشمل درجة حرارة الدفيئة، ورطوبة الهواء والتربة، ومستوى المياه وملوحتها، إلى جانب نوع المحصول ومرحلة نموه واحتياجاته المائية ومواعيد الري المحددة. وتجمع وحدة التحكم هذه البيانات مع حالة المضخة ونظام التهوية وحدود الأمان المبرمجة، ثم تقارنها بالقيم المثلى لنمو النبات، لتصدر أوامرها بتشغيل الري أو إيقافه، وتحديد مدته، وضبط التهوية، وإرسال تنبيه عند رصد خلل أو قراءة غير طبيعية.

مصدر الصورة عملية برمجة الدفيئة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تقرأ رطوبة التربة وحرارة الهواء، وتحول بياناتها إلى أوامر تضبط موعد الري وكميته (الجزيرة)

ويهدف المشروع، وفق المهندس الزراعي، إلى تعظيم الاستفادة من كل وحدة مياه، عبر إيصال الكمية المطلوبة إلى جذور النباتات في التوقيت المناسب، وتهيئة ظروف نمو مستقرة تساعد على رفع كفاءة الإنتاج والحد من البيئة التي تشجع انتشار الأمراض الفطرية.

الأجهزة المانحة

في ظل صعوبة توفير المكونات الإلكترونية، فكك الفريق أجهزة تالفة واختبر ما بقي صالحا من أسلاك وموصلات ومقاومات ومرحّلات وشاشات وأجزاء من دوائر التغذية، ثم أعاد توظيفها في منظومة التحكم، كما طوّر نماذج محلية لمستشعرات رطوبة التربة، وأخضع قراءاتها للمعايرة والمقارنة بأجهزة مرجعية قبل استخدامها.

ويقول البريم إن الظروف غيّرت السؤال الهندسي الذي انطلق منه الفريق: "بدلا من البحث عن أفضل قطعة يمكن شراؤها، أصبح السؤال: ما أفضل حل يمكن بناؤه من الموارد المتاحة؟

إعلان

ويصف البريم عمل المنظومة بأنه ترجمة لغة التربة إلى منطق تفهمه الآلة؛ إذ تبدأ الدورة بمستشعر يلتقط حالة التربة أو الجو، ثم تتحول القراءة إلى بيانات تُقارن بقاعدة اتخاذ القرار، قبل أن ترسل وحدة التحكم أمرها إلى أداة التنفيذ، سواء كانت مضخة ري أم مروحة تهوية.

وواجه الفريق تحديا في وصل وحدة التحكم، التي تعمل بجهد منخفض، بالمضخات الأعلى قدرة، فاستخدم مرحّلات ودوائر قيادة تفصل بين الطرفين وتحمي المكونات من تقلبات التيار، كما أثر طول الأسلاك والتشويش الكهربائي في بعض القراءات، مما استدعى فلترة البيانات ومعايرتها قبل اعتمادها في قرارات التشغيل.

مصدر الصورة مهند البريم مهندس المشروع ومبرمجه، يشغل المنظومة ويقرأ الشاشة، ثم يغرس المستشعر بالتربة قرب جذور النباتات لالتقاط حالة التربة ودرجة الحرارة والرطوبة (الجزيرة)

وصمم المهندسون المنظومة لتنفيذ قراراتها الأساسية محليا داخل وحدة التحكم، فتواصل استقبال قراءات المستشعرات وتشغيل الري والتهوية عند انقطاع الإنترنت، كما زوّد البريم النظام بساعة إلكترونية داخلية تحفظ التوقيت وتنفذ مهام الري المجدولة، ويمكن تغذيتها بالطاقة الشمسية وربطها ببطاريات تخزين لتقليل اعتمادها على شبكة الكهرباء.

ويلخص البريم فلسفة التصميم بقوله: "الإنترنت خيار للتشغيل، وليس شرطا لاستمراره".

وبنى الفريق المنظومة بتكلفة منخفضة وهيكل قابل للإصلاح والتوسع والتكيف مع الموارد المحلية، بحيث يبقى العطل محصورا في الجزء المتضرر، عوضا عن توقف الدفيئة كاملة؛ ومع ذلك، تظل الطاقة وقطع الغيار والتمويل والقدرة على الوصول إلى الموقع وصيانته عوامل حاسمة في استمرار التجربة وتوسيعها.

تعتمد المنظومة في صورتها الحالية على قواعد برمجية تحوّل معرفة المهندس الزراعي إلى شروط تشغيلية؛ فعندما تنخفض رطوبة التربة، ويتوافر الماء ويحين توقيت الري، تُشغّل المضخة للمدة المحددة، وفي الوقت نفسه، يجمع الفريق بيانات الحرارة ورطوبة الهواء والتربة ومستوى المياه والملوحة وأوقات الري وحالة النبات، تمهيدا لتدريب نموذج للذكاء الاصطناعي.

ويوضح البريم أن تدريب النموذج التنبؤي يحتاج إلى بيانات تمتد عاما على الأقل، وتشمل مراحل نمو النبات وتقلبات الطقس واختلاف ظروف التربة والمياه، ويطمح الفريق إلى تطوير نظام يتوقع احتياجات كل نبتة وفق حالتها الفعلية، ويحلل صورها لرصد مؤشرات الأمراض، ثم يقترح تعديلات على الري والتهوية وظروف النمو.

وبذلك تمثل الأتمتة مرحلة التشغيل الحالية، فيما يشكل الذكاء الاصطناعي مرحلة يجري تطويرها اعتمادا على البيانات التي تنتجها الدفيئة، مع بقاء المهندس الزراعي صاحب القرار النهائي.

بيت لاهيا.. من 25 ألف دونم إلى 688

في بيت لاهيا، حيث كانت الحقول والدفيئات ترفد أسواق قطاع غزة بمحاصيلها، أخرجت الحرب الإسرائيلية والتجريف مساحات زراعية واسعة خارج الإنتاج، وأصابت الآبار وشبكات الري والتربة بأضرار بليغة، وبين خسارة الدونم التقليدي والبحث عن إنتاج أعلى داخل المتر المربع، يكتسب نموذج الدفيئة المؤتمتة أهميته بوصفه محاولة لاستثمار المساحات والمياه المتاحة بكفاءة أكبر.

مصدر الصورة إعادة تأهيل بعض أراضي بيت لاهيا الزراعية وزيادة السلة الغذائية في الأسواق (الجزيرة)

وفي تصريح خاص للجزيرة نت، كشف أحمد حمدونة، مسؤول قسم المرافق ولجان الأحياء في بلدية بيت لاهيا، أن المساحة الزراعية المنتجة في المدينة انكمشت من 25 ألف دونم قبل الحرب إلى 688 دونما مزروعا حاليا، بما يعادل 2.75% من قدرتها السابقة، أي أقل من 3 دونمات منتجة من كل 100 دونم.

وكانت المساحة الزراعية قبل الحرب تضم 17.5 ألف دونم من الخضروات، و4 آلاف دونم من الفراولة، و3.5 آلاف دونم من الأشجار المثمرة، إلى جانب 13 مشتلا زراعيا، ما جعل المدينة ركيزة رئيسية في السلة الغذائية لشمال قطاع غزة.

إعلان

ورغم حجم الدمار، تشير بيانات البلدية إلى وجود 1119 دونما جاهزا للزراعة و729 مزارعا مستعدين للعودة إلى العمل، ويعترض استئناف الإنتاج تدمير الآبار ومصادر المياه، وتضرر شبكات الري، ونقص البذور والأشتال، وارتفاع أسعار الأسمدة والوقود والزيوت، إلى جانب ضعف القدرة المالية للمزارعين.

وتحدد البلدية احتياجات العودة العاجلة في إعادة تأهيل الآبار، وإصلاح شبكات الري، وتوفير الوقود والزيوت، ودعم البذور والأسمدة، وتمويل المزارعين، بما يساعد على استعادة حياة الأرض وتعزيز الأمن الغذائي وإحياء دور بيت لاهيا بوصفها سلة غذاء لشمال القطاع.

مصدر الصورة الدفيئة الزراعية الذكية بدت في هيئة نفق مقوس يكسوه غطاء بلاستيكي شبه شفاف، فيما ثُبّتت إلى جوارها ألواح للطاقة الشمسية وصندوق تحكم معدني (الجزيرة)

وفي الفجوة بين 1119 دونما جاهزا للزراعة و688 دونما دخلت الإنتاج فعليا، تبرز الدفيئة المؤتمتة نموذجا يسعى إلى تعظيم إنتاجية المساحة المحدودة وترشيد المياه، ضمن مسار أوسع لإعادة بناء القطاع الزراعي الذي حطمته الحرب.

المحصول نفسه بنظامين مختلفين

تشير بيانات قدمها القائمون على المشروع وبلدية بيت لاهيا إلى اختلاف مدة زراعة عدد من المحاصيل بين الدفيئة المؤتمتة والزراعة التقليدية، ويحتاج الخيار داخل الدفيئة إلى نحو 60 يوما قبل بدء الإنتاج، مقابل مدة تتراوح بين 70 و100 يوم في بيت لاهيا، بفارق يتراوح بين 10 و40 يوما.

وتبلغ المدة المسجلة للبندورة داخل الدفيئة نحو 120 يوما، مقابل 120 إلى 180 يوما في بيت لاهيا، ما جعلها مماثلة للحد الأدنى التقليدي، مع فارق قد يصل إلى 60 يوما قياسا بالحد الأعلى. أما الفلفل، فتبلغ مدته داخل الدفيئة نحو 90 يوما، مقابل 150 إلى 220 يوما في الزراعة التقليدية، بفارق يتراوح بين 60 و130 يوما.

ويعزو القائمون على المشروع هذه الفوارق إلى استقرار الحرارة والرطوبة والري والتهوية داخل الدفيئة. وتظل المقارنة الدقيقة مرتبطة بتوحيد صنف النبات والموسم والمرحلة المقاسة، سواء كانت المدة حتى أول حصاد أم الدورة الزراعية الكاملة.

ولا تكفي مدة الزراعة وحدها للحكم على قدرة الدفيئة على تعويض الإنتاج المفقود؛ إذ يتطلب قياس جدواها مقارنة كمية المحصول في المتر المربع، واستهلاك المياه والأسمدة، ونسبة الفاقد، وتكلفة الدورة وقيمة المبيعات، ثم اختبار هذه النتائج عبر مواسم متتالية ومساحات أكبر.

ويبقى الاختبار الحقيقي خارج حدود هذه الدفيئة: مدى قدرة النموذج على الانتقال من تجربة محدودة إلى منظومة متاحة لمئات المزارعين، بتكلفة يمكن تحملها وصيانة محلية ونتائج تثبتها مواسم متعاقبة، وعندها فقط، تتحول الشيفرة من إنجاز هندسي إلى أداة فعلية تعيد للأرض قدرتها على الإطعام.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار