فالحديث عن تقدم قوات صنعاء على امتداد الساحل الغربي، ووصولها إلى المخا وباب المندب، والسيطرة على مواقع وجزر استراتيجية، يعني أن ميزان القوة في هذه المنطقة الحساسة شهد تحولاً لافتاً.
لكن أهمية باب المندب في هذه المعادلة لا تعني، وفق ما تؤكده حكومة صنعاء، أن الملاحة الدولية أصبحت مهددة أو أن المضيق سيُغلق أمام حركة السفن، فالرسالة التي تكررها صنعاء واضحة: الممر الملاحي الدولي آمن، والاستهداف موجه حصراً إلى السفن السعودية التي أُعلنت ضمن قائمة الحظر، باعتبارها قائدة لتحالف الحرب على اليمن.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن تفهمها الرياض جيداً: صنعاء لا تستخدم باب المندب لاستهداف التجارة العالمية، بل لاستعادة السيادة اليمنية على المضيق وإدارته بدون أي تدخل خارجي، وربما لتحويل الموقع الجغرافي إلى أداة ضغط على الطرف الذي تعتبره خصماً مباشراً. وبمعنى آخر، فإن المعادلة التي تطرحها حكومة صنعاء تقوم على إبقاء البحر مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، مع استمرار حظر الملاحة على السفن السعودية.
وهذه المعادلة تجعل الورقة البحرية أكثر تعقيداً بالنسبة للرياض. فالسعودية لا تستطيع بسهولة تقديم أي إجراءات تستهدف الملاحة الدولية باعتبارها رداً على تهديد شامل، طالما أن صنعاء تؤكد أن السفن غير المشمولة بالحظر يمكنها المرور بأمان.
أما إذا تمكنت قوات صنعاء من تثبيت نفوذها على أجزاء واسعة من الساحل الغربي، فإن القيمة الحقيقية لذلك لا تكمن في إغلاق باب المندب، وإنما في امتلاك قدرة أكبر على تنفيذ سياسة الحظر والضغط الانتقائي.
وهنا تظهر الورطة السعودية، فقد أعلنت الرياض الحرب عام 2015 وهي تراهن على التفوق العسكري والحسم السريع وإعادة رسم المشهد اليمني بما يبعد أنصار الله عن حدودها الجنوبية. لكن سنوات الحرب أثبتت أن التفوق الجوي والسلاح المتطور لا يكفيان لفرض تسوية سياسية أو القضاء على خصم هو في الأساس صاحب الأرض، بالإضافة إلى أنه يمتلك القدرة على الاستنزاف والصمود وتطوير أدواته العسكرية.
والأخطر أن الجغرافيا بدأت تعمل ضد السعودية، فبدلاً من أن يتحول الساحل الغربي إلى منطقة عازلة تمنع صنعاء من الوصول إلى البحر، سيطرت قوات صنعاء على المناطق الأكثر حساسية، باب المندب وجزيرة ميون. وبناء على ذلك ستجد السعودية نفسها الآن أمام خصم يملك ورقة ضغط تتجاوز حدود الجبهة البرية إلى طرق إمدادها وصادراتها النفطية وحركتها البحرية.
ولا تقف المشكلة عند البحر، فالتهديد المحتمل للبنية النفطية وخطوط التصدير السعودية يفتح جبهة أخرى. إذ أن قوة الرياض الاقتصادية تقوم بدرجة كبيرة على قدرتها على تصدير النفط بأمان، وكلما أصبحت طرق التصدير والموانئ وخطوط الأنابيب عرضة للضغط، ارتفعت تكلفة المواجهة على المملكة.
وهنا تتكشف حدود الرهان على واشنطن. فالولايات المتحدة تستطيع تقديم السلاح والمعلومات والدعم السياسي، لكنها ليست بالضرورة مستعدة لخوض حرب مفتوحة نيابة عن السعودية، خصوصاً إذا كان التدخل سيضع قواتها ومصالحها في المنطقة أمام خطر تصعيد أوسع.
أما أنصار الله، فإن القيمة الحقيقية لأي تقدم ساحلي لا تكمن في مساحة الأرض التي يمكن السيطرة عليها، وإنما في تحويل الموقع الجغرافي إلى ورقة تفاوض وردع موجهة ضد السعودية.
المعركة المقبلة، إذن، ليست بالضرورة معركة إغلاق باب المندب، بل معركة من يملك القدرة على استخدام موقعه الجغرافي لفرض معادلة جديدة، وفي هذه المعادلة تقول صنعاء إن الملاحة الدولية خط أحمر، بينما السفن السعودية المشمولة بالحظر هي وحدها التي ستدفع ثمن استمرار الحرب.
وهكذا يتحول باب المندب من ساحة تهديد للملاحة العالمية إلى ورقة ضغط يمنية موجهة بدقة نحو الرياض؛ وهي معادلة قد تكون أكثر إيلاماً للسعودية من إغلاق شامل للمضيق، لأنها تحرمها من استخدام موقعها الجغرافي والاقتصادي بدون أن تمنحها في المقابل مبرراً سهلاً لتصوير الأمر كتهديد للتجارة العالمية بأكملها.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية