آخر الأخبار

دليل الفلكي المبتدئ إلى التعرف على أبرز الفوهات القمرية

شارك

تعد الفوهات القمرية بمثابة "كبسولات زمنية" جيولوجية تحفظ تاريخا يمتد لمليارات السنين من القصف النيزكي في النظام الشمسي. تساعد الخصائص المميزة، مثل القمم المركزية والجدران المدرجة، الفلكيين على تحديد مراحل تشكل الفوهات المعقدة. ويكشف رصد هذه التكوينات المحددة عن أدلة على نشاط بركاني قديم وتحولات تكتونية شهدها القمر.

الإرث الخالد للاصطدامات القمرية

يعد سطح القمر أرشيفا فوضويا للتاريخ العنيف للنظام الشمسي. فخلافا للأرض، حيث تمحى الندوب الجيولوجية بمرور الوقت بفعل الرياح والأمطار وإعادة تدوير الصفائح التكتونية، يحتفظ القمر بجراحه كاملة. فكل اصطدام، بدءا من النيازك الدقيقة وصولا إلى الكويكبات الضخمة، يترك علامة دائمة في "الريغوليث" (الحطام الصخري) القمري.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 النشاط الشمسي يسرع سقوط الحطام الفضائي نحو الأرض
* list 2 of 2 خلف نبتون.. كوكب قزم مجهول يتحدى قوانين الفيزياء بامتلاكه سمات "مستحيلة" end of list

ومن بين آلاف الندوب التي ترسم وجه القمر، تبرز مجموعة مختارة من الفوهات بسبب حجمها، وتعقيدها الجيولوجي، وإمكانية رؤيتها من الأرض. وتقدم هذه التكوينات للفلكيين المحترفين والهواة على حد سواء نافذة على العمليات الديناميكية التي لم تشكل القمر فحسب، بل النظام الشمسي الداخلي بأكمله.

إن فهم الفوهات القمرية يتطلب فحص ميكانيكا الاصطدامات فائقة السرعة. فعندما يصطدم جسم ما بالقمر، فإنه يفعل ذلك بسرعة تبلغ في المتوسط 20 كيلومترا في الثانية. وتؤدي الطاقة الحركية الناتجة عن ذلك إلى تبخير الجسم المصطدم وحفر الصخور المستهدفة، مما يخلق موجة صدمية تضغط السطح.

مصدر الصورة التركيب الجيولوجي التفصيلي لأشهر 10 فوهات قمرية- (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

تحدث هذه العملية في ثوانٍ معدودة، ومع ذلك فهي تخلق هياكل تدوم لدهور. وتسمح دراسة هذه السمات للعلماء بتحديد الأعمار النسبية للمناطق المختلفة، وهو نظام يعرف بـ"عدّ الفوهات"؛ فمن خلال تحليل كثافة الفوهات في منطقة معينة، يمكن للباحثين تقدير العمر الجيولوجي لتلك التضاريس.

إعلان

الفوهات العشر الأشهر على القمر هي ثيوفيلوس، وأفلاطون، وأرسطرخس، ولانغرينوس، وكوبرنيكوس، وبيتافيوس، وإراتوستينس، وكلافيوس، وتايخو، وغاسندي، وتمثل مقطعا عرضيا متنوعا للجيولوجيا القمرية.

فهذه الفوهات تتراوح ما بين أحواض قديمة غمرتها الحمم البركانية، إلى ندوب حديثة ذات خيوط شعاعية تعتبر يافعة جيولوجيا. وتحكي كل واحدة منها قصة محددة عن تطور القمر، بدءا من فترة "القصف الشديد" وصولا إلى برود باطن القمر وتوقف النشاط البركاني الرئيسي.

ميكانيكا تشكل الفوهات

لتقدير السمات المتميزة لهذه الفوهات، من الضروري فهم الفرق بين الفوهات البسيطة والمعقدة، إذ تؤدي الاصطدامات الصغيرة إلى فوهات بسيطة، وهي عبارة عن منخفضات تشبه الوعاء بجدران ملساء.

أما الفوهات التي نناقشها هنا، فهي فوهات معقدة بشكل حصري تقريبا، وهذه الهياكل الأكبر، التي يتجاوز قطرها 50 كيلومترا، تمر بعملية تشكل مختلفة نظرا للطاقة الهائلة المعنية وتأثير الجاذبية القمرية.

فأثناء تشكل الفوهة المعقدة، تقوم موجة الصدمة الأولية بحفر تجويف عميق ومؤقت تكون جدرانه شديدة الانحدار وغير مستقرة. ولحظات بعد الحفر، تتسبب الجاذبية في انهيار هذه الجدران نحو الداخل والأسفل، مما يخلق "المدرجات" (Terraces) وهي سمات تشبه الدرجات تبطن حافة الفوهة.

مصدر الصورة كيف تتشكل الفوهات القمرية (الجزيرة- صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

وفي الوقت نفسه، يرتد قاع الفوهة؛ فالصخور، التي تتصرف كالسوائل تحت الضغط الشديد للاصطدام، ترتد إلى الأعلى في المركز، مكونة قمة مركزية أو حلقة من القمم. هذا الارتفاع المركزي يكشف عن مواد من أعماق القشرة القمرية، مما يوفر "عينة لبية" طبيعية لعلماء الكواكب لدراستها.

تظهر العديد من الفوهات، مثل "تايخو" و"كوبرنيكوس"، هذه الخصائص الكلاسيكية للفوهات المعقدة. أما غيرها، مثل فوهة "أفلاطون"، فقد عدلت بفعل أحداث جيولوجية لاحقة، أهمها النشاط البركاني.

ففي هذه الحالات، اندفعت لافا البازلت من الوشاح القمري عبر الكسور في القشرة، فغمرت قاع الفوهة ودفنت القمة المركزية، مما خلق قاعا مسطحا ومظلما يتناقض بحدة مع المرتفعات الوعرة المحيطة.

تايخو.. نظام الأشعة الأكثر سطوعا

تعد فوهة "تايخو" (Tycho)، الواقعة في المرتفعات الجنوبية، الفوهة الأكثر لفتا للنظر عند اكتمال القمر. وقد سميت تيمنا بالفلكي الدانماركي تايخو براهي (أستاذ كوبرنيكوس)، وهي وافد جديد نسبيا إلى المشهد القمري.

وتشير التأريخات الإشعاعية للعينات التي جمعتها بعثة "أبولو 17" إلى أنها تشكلت منذ حوالي 108 ملايين سنة فقط؛ وبالمقاييس الجيولوجية، تعتبر تايخو "طفلا يحبو".

مصدر الصورة فوهة تايخو الإشعاعية ألمع فوهات القمر (غالكتيك)

تفسر حداثة عهد "تايخو" ميزتها الأكثر إثارة، وهي نظام الأشعة الواسع. والأشعة هي خيوط ساطعة من المواد المسحوقة التي قذفت أثناء الاصطدام. وبمرور المليارات من السنين، تعمل الرياح الشمسية والقصف النيزكي الدقيق على تعتيم التربة القمرية (عملية تعرف بالتجوية الفضائية). ولأن تايخو حديثة، فإن موادها المقذوفة تحتفظ بانعكاسية عالية، مما يخلق خيوطا ساطعة تمتد لآلاف الكيلومترات عبر سطح القمر.

كوبرنيكوس

تمثل فوهة "كوبرنيكوس" (Copernicus) الملمح الأبرز في "محيط العواصف" الشرقي، ويبلغ قطرها 93 كيلومترا، وهي أكبر قليلا من فوهة تايخو، وتعد النموذج المعياري لـ"العصر الكوبرنيكي" (العصر الجيولوجي الحالي للقمر الذي بدأ قبل 1.1 مليار سنة).

إعلان

ويلاحظ المراقبون شكلها السداسي المتميز، الناتج عن تفاعل موجة صدمة الاصطدام مع النسيج التكتوني الموجود مسبقا في القشرة القمرية.

مصدر الصورة فوهة كوبرنيكوس أشهر فوهات القمر وثاني ألمعها بعد تايخو (ناسا)

كما تعد جدران كوبرنيكوس أمثلة كلاسيكية على التدرج، ويضم مركزها مجموعة من ثلاث قمم جبلية تمتد لارتفاعات تصل إلى 1.2 كيلومتر. وبالرغم من أن إشعاعات فوهة كوبرنيكوس واسعة، لكنها أقل بريقا من تلك التي حول فوهة تايخو، مما يشير إلى قدمها وتعرضها لمزيد من التجوية الفضائية.

أفلاطون.. البحيرة القمرية المظلمة

على نقيض التصاميم الساطعة والوعرة لتايخو وكوبرنيكوس، تقبع فوهة "أفلاطون" (Plato) على الحافة الشمالية لـ"بحر الأمطار" (Mare Imbrium)، والميزة المحددة لها هي قاعها الداكن والأملس، وتفتقر إلى القمة المركزية لأن الحمم البركانية البازلتية غمرتها قديما ودفنت معالمها الداخلية، وقد أطلق عليها فلكيو القرن السابع عشر اسم "البحيرة السوداء الكبرى".

مصدر الصورة فوهتا أرسطرخس وأفلاطون القمريتان (ناسا)

أرسطرخس.. منارة المحيط

تقع فوهة أرسطرخس (Aristarchus) في وسط "محيط العواصف" (Oceanus Procellarum)، وهي أسطع تكوين كبير على سطح القمر. ويبلغ بياضها (انعكاسها) ضعف بياض معظم المعالم القمرية الأخرى، مما يجعلها مرئية بالعين المجردة كنقطة بيضاء ساطعة حتى عندما تضاء بضوء الأرض الخافت فقط.

ولأن المنطقة المحيطة بها غنية بالمواد البركانية، فهي تعتبر "بؤرة ساخنة" لانبعاثات غاز الرادون، مما يشير إلى وجود غازات متطايرة لا تزال تتسرب من أعماق القمر.

كلافيوس.. العملاق العتيق

تعد فوهة "كلافيوس" (Clavius) واحدة من أكبر الفوهات المرئية من الأرض بقطر هائل يبلغ 225 كيلومترا. وهي قديمة جدا وتظهر عليها آثار الزمن من خلال جدرانها المتآكلة وامتلائها بفوهات أصغر وأحدث.

وفي عام 2020، تصدرت "كلافيوس" العناوين العلمية عندما اكتشف مرصد "صوفيا" (SOFIA) توقيعا طيفيا لجزيئات الماء (H2O) في تربتها المضاءة بنور الشمس، مما غير فهمنا لدورة المياه على القمر.

فوهتا لانغرينوس وكلافيوس القمريتان (ناسا)

لانغرينوس.. حارس الشرق

تهيمن فوهة "لانغرينوس" (Langrenus) على الطرف الشرقي للقمر بقطر 132 كيلومترا. وتشتهر بنظام قمة مركزية مزدوج، وتظهر جدرانها تدرجات واسعة. وقد اكتسبت الفوهة اهتماما في عام 1992 عندما أبلغ مراقبون عن رؤية توهجات حمراء عابرة في قاعها، مما أثار تكهنات حول تسرب غازات عرضي عبر الصدوع الجيولوجية.

بيتافيوس.. الشذوذ المتصدع

بيتافيوس (Petavius) هي فوهة ضخمة بقطر 177 كيلومترا، وتعد مثالا رئيسيا للفوهات ذات القيعان المتصدعة، الميزة الأكثر تحديدا لها هي نظام الأخدود (Rimae Petavius) الذي يقطع قاعها، مما يشير إلى أن قاع الفوهة ارتفع للأعلى بفعل تداخلات الماغما من الأسفل بعد الاصطدام، مما أدى إلى تشققه.

فوهتا بيتافيوس وثيوفيلوس القمريتان (ناسا)

ثيوفيلوس.. دراسة في علم الطبقات

تقع فوهة "ثيوفيلوس" (Theophilus) عند حافة "بحر الرحيق" (Mare Nectaris)، وهي مثال واضح لمبدأ "التراكب" الجيولوجي؛ فقد دمر تشكلها جزءا من حافة فوهة أقدم (سيريلوس)، مما يثبت أنها أحدث سنا. جدرانها شاهقة ترتفع 4.4 كيلومتر فوق القاع، وتضم جبلا مركزيا ضخما ب أربع قمم متميزة.

إراتوستينس.. ضابط الوقت

تقع فوهة "إراتوستينس" (Eratosthenes) عند النهاية الجنوبية لجبال الأبينين (Montes Apenninus)، وهي فوهة عميقة ومحددة بقطر 58 كيلومترا. تفتقر لنظام الأشعة لأنها قديمة بما يكفي لتختفي أشعتها بفعل التجوية، لكنها تحتفظ بحافة حادة وقمة مركزية، وتعمل كدليل زمني لتاريخ القمر الجيولوجي.

فوهتا إراتوستينس وغاسندي القمريتان (يونيفرس توداي)

غاسندي.. حارس "بحر الرطوبة" المتصدع

يبلغ قطر فوهة غاسندي (Gassendi) 110 كيلومترات، ويتميز قاعها بشبكة معقدة من الأخاديد. كما تظهر غاسندي بأنها "مغمورة" جزئيا؛ حيث تم اختراق حافتها الجنوبية وتآكلها بواسطة تدفقات اللافا التي ملأت "بحر الرطوبة" (Mare Humorum)، بما يشير إلى أنها تشكلت قبل اكتمال النشاط البركاني في ذلك الحوض.

سمفونية الصمت والخلود

في نهاية المطاف، ليست هذه الفوهات مجرد جروح غائرة في جسد القمر، بل هي قصائد كونية صاغتها مطارق السماء على مر العصور. فحين تنظر إلى القمر في ليلة صافية، تذكر أنك لا تنظر إلى جرم ميت، بل إلى أرشيف حيّ يحرس ذاكرتنا الجماعية؛ فكل خيط شعاعي في "تايخو" وكل ظل في قاع "أفلاطون" يحكي قصة صمود في وجه الفوضى الكونية.

إعلان

إن هذه المعالم التي كانت يوما مسرحا لدمار هائل، تتحول اليوم إلى منارات ترشد خطى البشرية نحو مستقبلها؛ فبين صخورها يكمن ماء حياتنا القادم، وفي قممها تتجلى عظمة الكون الذي لا يكف عن إبهارنا. إننا لا نقرأ تاريخ القمر عبر هذه الفوهات فحسب، بل نستشرف من خلالها أولى خطواتنا لنصبح سكاناً بين النجوم، محولين ندوب الماضي إلى جسور نحو الغد.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار