في ليالي الشتاء الصافية، حين يهدأ الأفق ويصفو الهواء، يلفت نجم واحد الأنظار أكثر من غيره، يلمع بقوة استثنائية ويخطف أبصار حتى من ليس من عادته النظر إلى السماء. إنه نجم الشعرى اليمانية، المعروف أيضا باسم "سيريوس" (Sirius)، ألمع نجوم الليل وأحد أكثر الأجرام السماوية حضورا في ذاكرة الإنسان، علميا وثقافيا ودينيا.
تتربع الشعرى اليمانية على عرش السطوع في السماء ليلا، فهي ألمع من جميع النجوم المرئية، ولا ينافسها في البريق إلا القمر وبعض الكواكب اللامعة مثل الزهرة والمشتري.
سر هذا اللمعان لا يعود فقط إلى قوتها الذاتية، بل إلى قربها النسبي من الأرض، إذ تبعد عنا نحو 8.6 سنة ضوئية فقط، ما يجعلها من أقرب الأنظمة النجمية إلينا.
فلكيا، الشعرى ليست نجما منفردا، بل هي نظام نجمي ثنائي يتكوّن من الشعرى "إيه" (Sirius A)، وهو نجم أبيض مائل إلى الزرقة، شديد الكتلة والسطوع، ورفيقه الخافت "الشعرى ب" (Sirius B)، وهو قزم أبيض كثيف للغاية، كان اكتشافه في القرن الـ19 مفاجأة كبرى لعلم الفلك. هذا الازدواج جعل من الشعرى مختبرا طبيعيا لفهم تطور النجوم ونهاياتها.
يسهل العثور على الشعرى في السماء بفضل موقعه اللافت، فبمجرد تتبع حزام كوكبة الجبار (أو فقار الجوزاء) إلى الأسفل، يقودك الخط مباشرة إلى هذا النجم المتلألئ. ولهذا الارتباط البصري الوثيق بالجوزاء عرف الشعرى عند العرب باسم كلب الجوزاء ومرزمها.
كما يشكل الشعرى أحد رؤوس مثلث الشتاء الشهير، إلى جانب منكب الجوزاء (يد الجوزاء) والشعرى الغميصاء (الشعرى الشامية). ويعد هذا المثلث من أبرز العلامات السماوية في ليالي الشتاء، ولا تخطئه العين.
لم يكن الشعرى مجرد جرم سماوي عند العرب، بل كان شخصية حية في المخيال الشعبي. تحكي الروايات العربية القديمة قصة سهيل الذي فر جنوبا بعد خصومة مع زوجته الجوزاء، فلحقت به أختاه الشعريان.
واستطاعت الشعرى اليمانية عبور "نهر المجرة" (درب التبانة)، فسميت الشعرى العَبور، بينما عجزت أختها الشامية، فجلست على الضفة تبكي حتى "غمصت" عيناها، فسميت الغميصاء (Gomeisa)، وقد أعطي هذا الاسم الأخير للنجم المرافق لها.
وللشعرى أسماء أخرى في التراث، منها المرزم أو مرزم الجوزاء، لارتباط طلوعه بالبرد القارس والأمطار الشتوية، حتى كنّى العرب ريح الشمال بـ"أم مرزم".
للشعرى مكانة فريدة، فهو النجم الوحيد الذي ورد اسمه صريحا في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّه هوَ رَب الشِّعْرَى﴾ (النجم: 49)
وقد جاءت الآية في سياق نفي أي قداسة لغير الله، إذ إن بعض العرب في الجاهلية، وعلى رأسهم خزاعة، عبدوا الشعرى، وكان من أشهر من دعا إلى عبادته رجل يعرف بـ"أبي كبشة".
ولهذا كانت قريش تطلق على النبي ﷺ لقب "ابن أبي كبشة" استهزاء، في محاولة لربط دعوته بالتقاليد القديمة، بينما جاء القرآن ليحسم الأمر بأن رب الشعرى هو الله، لا النجم ذاته.
عرفت حضارات كثيرة الشعرى وقدسته، لا سيما المصريون القدماء، الذين ربطوا طلوعه الاحتراقي بفيضان نهر النيل، رمز الحياة والخصوبة، وكانوا يطلقون عليه "نجم إيزيس"، ورأوا فيه بشارة سنوية بتجدد الأرض. وحتى في عصور ما قبل التاريخ، تشير الدلائل الأثرية إلى أن البشر راقبوا طلوعه بدقة قبل آلاف السنين.
ومع مجيء الإسلام، لم تمحَ قدسية النيل فحسب، بل أعيد تعريفها. فعندما توقّف الفيضان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، لم يستدعَ نجم ولا قدّمت قرابين، بل أُعلنت نهاية عصر ربط الطبيعة بالنجوم، وبداية وعي جديد يرى الكون كله خاضعا لإرادة واحدة لا شريك لها.
وفي العصر الحديث، استمر تميّز الشعرى علميا، إذ كان أول نجم -غير الشمس- يلتقط له قرص نجمي مباشر بواسطة تلسكوب هابل عام 1999، وهو إنجاز فتح بابا جديدا لدراسة النجوم القريبة.
قد يلتبس الأمر على كثيرين هذه الفترة، إذ يبدو كوكب المشتري أشد سطوعا من الشعرى. لكن الفارق واضح لمن يدقق، فالمشتري يضيء بثبات نسبي، بينما يتلألأ الشعرى بألوان متغيرة، من الأبيض إلى الأزرق والأحمر، بسبب اضطراب الغلاف الجوي، خصوصا حين يكون قريبا من الأفق. كما أن موقع الشعرى أسفل الجبار يظل علامة لا تخطئ.
وليس الشعرى اليمانية مجرد نجم لامع، بل هو قصة ممتدة بين العلم والأسطورة، بين القرآن والفلك، وبين ذاكرة الإنسان القديمة وأدوات الرصد الحديثة.
هو شاهد على شغف البشر بالسماء، وعلى قدرتهم على تحويل الضوء البعيد إلى معنى، والهداية إلى معرفة، وحين نرفع أبصارنا إليه في ليلة شتوية، فنحن لا ننظر إلى نجم فقط، بل إلى تاريخ طويل من التساؤل والبحث والإيمان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة