آخر الأخبار

ملفات وتحقيقات - كيف تربك الاغتيالات معركة الحكومة ضد الحوثيين؟

شارك

بينما تستعد الحكومة اليمنية لاستئناف المعركة ضد جماعة الحوثيين، عادت عمليات الاغتيال والاستهداف إلى الواجهة في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية، وطالت شخصيات سياسية وأمنية وعسكرية وإعلامية.

تثير هذه العمليات تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على حماية قياداتها وكوادرها، وفرض الاستقرار في مناطق سيطرتها، ومدى تأثير الاضطراب الأمني في استعداداتها لخوض معركة واسعة ضد الحوثيين.

تأتي هذه المخاوف بعد إعلان وزير الداخلية، اللواء الركن إبراهيم حيدان، في مايو/أيار الماضي، إحباط ما وصفه بأكبر مخطط للاغتيالات السياسية في العاصمة المؤقتة عدن. وقال حيدان إن الأجهزة الأمنية ضبطت خلايا مرتبطة بجهات خارجية كانت تخطط لاستهداف شخصيات سياسية وأمنية بارزة.


حصيلة ثقيلة

بلغ عدد عمليات الاغتيال في المحافظات المحررة منذ عام 2015 نحو 480 عملية، تركز أكثر من نصفها في عدن ولحج وأبين، بواقع 250 عملية، وفقًا لرابطة ضحايا الاغتيالات.

وبحسب ما نشره رئيس الرابطة في المحافظات المحررة، المهندس خالد محمد سعد، على صفحته في “فيسبوك” في 18 أغسطس/آب الجاري، لم يصل إلى المحاكم سوى 24 ملفًا من هذه القضايا، فيما أُلقي القبض على 28 متهمًا، معظمهم من منفذي العمليات، وصدرت أحكام بالإعدام في أربع قضايا لم يُنفذ أي منها حتى الآن.

ومع كل تحرك دبلوماسي أو عسكري للحكومة، تعود الاغتيالات إلى الواجهة، وهو ما يمكن قراءته سياسيًا باعتباره محاولة لعرقلة جهودها الدبلوماسية، وإضعاف موقفها أمام المجتمع الدولي، عبر إظهارها عاجزة عن بسط نفوذها في المحافظات الخاضعة لسيطرتها.


الجبهة الداخلية تحت الضغط

يرى الصحفي السياسي وليد الجبزي، أن تزامن عمليات الاغتيال مع الهجمات والتصعيد العسكري الحوثي في عدد من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، يفرض على الأجهزة الأمنية والعسكرية رفع مستوى تعاملها مع الملف، والتحقق من وجود روابط أو أنماط مشتركة بين الحوادث، بدل تركها من دون كشف أو مساءلة.

وقال الجبزي إن هذه الاغتيالات تحمل أبعادًا عدة، أبرزها إرباك المشهد الأمني في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة، وإثارة الخوف، وتقويض الثقة بقدرة مؤسسات الدولة على حماية المواطنين والكوادر والقيادات.

وأضاف أن استمرار الاغتيالات، من دون نتائج واضحة للتحقيقات، يمنح خصوم الحكومة فرصة لاستثمار حالة الخوف والفوضى في حملاتهم الإعلامية، وتصوير المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة على أنها عاجزة عن فرض الأمن وإنفاذ القانون.

ولفت إلى أن حماية الجبهة الداخلية تمثل أحد شروط أي تحرك عسكري واسع، إذ يصعب على القوات المسلحة خوض معركة طويلة في بيئة أمنية مضطربة تسمح باستهداف القيادات والكوادر، وتثير الشكوك بين القوى المناهضة للحوثيين.


اتهامات وتحقيقات

في وقت سابق، تحدثت الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية اليمنية عن تورط جماعة الحوثيين في عدد من عمليات الاغتيال بمناطق سيطرة الحكومة، من بينها اغتيال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي في اليمن، وسام قايد، ومراسل قناتي “العربية” و”الحدث” في حضرموت، الصحفي محمد عيضة.

وفي قضية عيضة، أعلنت الأجهزة الأمنية في حضرموت تورط عصابة يشرف عليها أمجد خالد، وقالت إن عناصرها تلقت تدريبات في منطقة الحوبان الخاضعة لسيطرة الحوثيين بمحافظة تعز، قبل أن تتعقب الصحفي وتغتاله في أواخر يونيو/حزيران من العام الجاري.

وفي هذا السياق، قال رئيس مركز تهامة للدراسات والتنمية، مرزوق الغرباني، إن عودة الاغتيالات في المحافظات الخاضعة للحكومة تمثل مؤشرًا على نشاط يستهدف تماسك القوى المناهضة للحوثيين، وإرباك المشهدين السياسي والأمني في المناطق المحررة.

واعتبر الغرباني أن العمليات الأخيرة تعكس، وفق تقديره، رغبة الحوثيين في إسكات الأصوات الإعلامية التي تنقل تطورات الحرب والانتهاكات إلى الخارج، ورأى في مقتل الصحفي محمد عيضة رسالة موجهة إلى وسائل الإعلام التي تنقل ما يجري في اليمن.

وأوضح أن التحقيقات والأعمال الميدانية التي أجرتها الأجهزة الأمنية تثبت، بحسب قوله، وقوف جماعة الحوثيين خلف عمليات الاغتيال، بهدف اختبار تماسك القوى المناهضة لها، عبر استهداف شخصيات تنتمي إلى مكونات سياسية واجتماعية مختلفة.

وأضاف أن هذه العمليات قد تؤدي إلى خلط الأوراق وخلق أزمات سياسية تعرقل تماسك القوى المناهضة للحوثيين، وتؤخر جهود استعادة الدولة.

وعن انعكاسات الاغتيالات على صورة الحكومة أمام المجتمع الدولي، قال الغرباني إن المجتمع الدولي يدرك طبيعة الصراع والدوافع الكامنة وراء هذه العمليات، معتبرًا أنها لن تكون عاملًا حاسمًا في مسارات الدعم الدولي للحكومة.

وبيّن أن المرحلة الراهنة تتطلب من المجتمع الدولي إعادة النظر في سياسته تجاه الحوثيين، ومنح الحكومة فرصة لتعزيز مؤسسات الدولة، خصوصًا أن مسارات التعافي والتنمية والإغاثة تحتاج إلى مؤسسات فاعلة وبيئة أمنية مستقرة.

لم يكن رائد العمل التنموي وسام قائد الضحية الوحيدة، إذ طالت الاغتيالات قيادات سياسية وتربوية، من بينها القيادي في حزب الإصلاح والتربوي عبدالرحمن الشاعر، الذي اغتيل في عدن في أبريل/نيسان من العام الجاري.

وباشرت الأجهزة الأمنية التحقيق في الجريمة. وبحسب رئيس الدائرة الإعلامية لحزب الإصلاح، عدنان العديني، كشفت التحقيقات أن أحد المتهمين اعترف بأن الشاعر اغتيل بسبب انتمائه إلى الحزب، بعد حملة تحريض طويلة استهدفت قيادات إصلاحية، وفق ما ذكره العديني في منشورات سابقة على منصة “إكس”.

وفي سياق القضية، أوقفت السلطات المصرية، بالتعاون مع الحكومة اليمنية، مشتبهًا بهم في التورط باغتيال الشاعر، قبل أن تفرج عنهم لاحقًا من دون توضيح الأسباب.


اتساع دائرة الاستهداف

لم يقتصر استهداف القيادات العسكرية على الوقائع الأخيرة، إذ شهدت السنوات الماضية محاولات مماثلة، قبل أن تتصاعد الهجمات مجددًا خلال عام 2026.

ففي يناير/كانون الثاني 2026، نجا قائد المنطقة العسكرية الرابعة في الجيش اليمني، العميد حمدي شكري، من محاولة اغتيال أثناء مرور موكبه في العاصمة المؤقتة عدن.

ومع عودة التصعيد العسكري بين الحكومة وجماعة الحوثيين، طالت الاغتيالات قيادات عسكرية منذ يونيو/حزيران، حين قُتل قائد الفرقة الأولى في قوات المقاومة الوطنية، العميد يحيى وحيش، وأحد مرافقيه، إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت موكبه، فيما أصيب اثنان آخران.

وفي أغسطس/آب، قُتل قائد اللواء الرابع في الفرقة الثانية بقوات درع الوطن، العميد أسامة عبدالكريم الردفاني، في كمين مسلح استهدف موكبه على الطريق الصحراوي بين منفذ الوديعة ومنطقة العبر بمحافظة حضرموت.

وفي اليوم نفسه، قُتل الضابط في قوات الأمن الوطني صالح الحوزة برصاص مسلحين يستقلون دراجة نارية وسط سوق مدينة مودية بمحافظة أبين.

وفي 11 أغسطس/آب، نجا قائد اللواء الثاني مشاة بحري، العميد الركن علي أبو بكر السليماني، من محاولة اغتيال، بعد إطلاق مسلحين النار على موكبه أمام مركز صحي في مدينة بئر علي بمديرية رضوم بمحافظة شبوة.

وفي 12 أغسطس/آب، أفادت أنباء باستهداف رتل عسكري تابع لقوات التحالف بعبوة ناسفة في وادي حضرموت، في حادثة تضاف إلى سلسلة الهجمات التي طالت قيادات وأرتالًا عسكرية في مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة خلال الفترة الأخيرة.


مزاعم عن صلات متطرفة

وفي قراءة لهذه الاغتيالات وتوقيتها، يرى نائب رئيس شعبة التوجيه المعنوي في قيادة محور تعز، العقيد عبدالباسط البحر أن عودة الاغتيالات واستهداف القيادات العسكرية يمثلان تحديًا مباشرًا أمام معركة استعادة الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين.

وقال البحر، إن هذه العمليات تهدف إلى إرباك الجبهة الداخلية وفتح مسارات صراع جانبية في المناطق الخاضعة للحكومة، بما يؤدي إلى تشتيت الجهود العسكرية والأمنية.

وأضاف أن أجندات مختلفة تسعى إلى استغلال الملف الأمني لإثارة الفوضى وتهديد السكينة العامة وخلق اضطرابات داخلية، بما يضعف التركيز على مواجهة الحوثيين.

كما تحدث البحر عن اتهامات بوجود “تخادم” بين الحوثيين وجماعات متطرفة وإرهابية، وقال إن بعض هذه الجماعات انتقلت إلى مناطق خاضعة للحوثيين وتنسق معها، مشيرًا إلى وجود تقارير دولية تتحدث عن علاقات بين الحوثيين وجماعة الشباب الصومالية.

وفي المحصلة، فإن توجه الاغتيالات أثناء التصعيد نحو الشخصيات العسكرية يكشف، وفق قراءة التقرير، عن مخاطر أمنية قد تشوش جهود الحكومة وتعرقل أي معركة وطنية ضد جماعة الحوثيين، التي يرى التقرير أنها المستفيد الأكبر من هذه العمليات.

وتبقى قدرة الحكومة على مواجهة هذه المخاطر مرتبطة بمدى قدرتها على كشف ملابسات الاغتيالات، وتحديد المسؤولين عنها، وإحالتهم إلى القضاء، وتنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم.


نقلاً عن (نون بوست)

عدن الغد المصدر: عدن الغد
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا