قبل أسابيع من حلول الذكرى السنوية لثورة 26 سبتمبر 1962، التي أطاحت نظام الحكم الإمامي وأعلنت قيام النظام الجمهوري في اليمن، بدأت جماعة الحوثيين، وفق مصادر محلية، تحركات أمنية واستخباراتية مبكرة في العاصمة صنعاء ومناطق سيطرتها، في محاولة لمنع أي مظاهر شعبية للاحتفال بالمناسبة أو تحويلها إلى مساحة للتعبير عن الرفض السياسي والاجتماعي لسلطة الجماعة.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت تتزامن فيه الضغوط المعيشية المتفاقمة مع استمرار التوتر العسكري، وتراجع القدرة الشرائية، وانقطاع رواتب قطاعات واسعة من موظفي الدولة، فضلاً عن تصاعد القيود الأمنية على النشاط المدني والسياسي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وتقول المصادر إن الجماعة تتعامل مع ذكرى الثورة بوصفها مناسبة ذات حساسية سياسية ورمزية عالية، ليس باعتبارها حدثاً تاريخياً فحسب، وإنما لما تمثله في الوعي اليمني من ارتباط بالنظام الجمهوري ومفهوم الدولة، وهو ما يجعل أي احتفال شعبي واسع بها قابلاً للتحول إلى مناسبة للتعبير عن الغضب من الواقع الراهن.
وبحسب المصادر، فقد بدأت الأجهزة الأمنية التابعة للجماعة منذ وقت مبكر تنفيذ إجراءات تستهدف الحد من التجمعات والأنشطة الاجتماعية، مع تشديد الرقابة على الأحياء والشوارع والأسواق، ولا سيما خلال ساعات الليل، في خطوة تقول المصادر إنها تأتي ضمن ترتيبات أمنية استباقية لمنع أي تحركات قد تتخذ من ذكرى سبتمبر عنواناً لها.
صنعاء تحت الرقابة
في العاصمة صنعاء، بدأت مظاهر الانتشار الأمني تزداد في عدد من الأحياء، مع تكثيف الدوريات الراجلة والمتحركة ومراقبة التجمعات، خصوصاً في المناطق المكتظة بالسكان.
وتشير مصادر محلية إلى أن شرطة الجماعة نفذت خلال الأيام الماضية حملات استهدفت تجمعات شبابية في عدد من مناطق العاصمة، واقتادت بعض المشاركين إلى أقسام الشرطة ومراكز الاحتجاز للتحقيق معهم قبل الإفراج عن غالبيتهم، بعد إلزام بعضهم بالتوقيع على تعهدات بعدم التجمع في الشوارع أو البقاء خارج المنازل في أوقات متأخرة من الليل.
ويقول سكان في حي السنينة، غرب صنعاء، إن الإجراءات الأمنية أصبحت أكثر حضوراً خلال ساعات المساء، مع انتشار عناصر مسلحة ودوريات في عدد من الشوارع والحارات.
وبحسب إفادات السكان، فإن هذه الإجراءات لم تقتصر على التجمعات التي قد تحمل طابعاً سياسياً، وإنما امتدت إلى شبان يجتمعون في الأحياء لمضغ القات أو اللعب وقضاء أوقاتهم، حيث يجري دفعهم إلى مغادرة الشوارع والعودة إلى منازلهم في وقت مبكر.
كما شملت الإجراءات، وفق المصادر، الباعة المتجولين والعاملين في الشوارع والأسواق، إذ جرى منع بعضهم من البقاء في مناطق الازدحام بعد مغيب الشمس، وإجبارهم على الانتقال إلى داخل الأحياء.
وتعكس هذه الإجراءات، وفق مراقبين، توسعاً في مفهوم الرقابة الأمنية لدى الجماعة، بحيث لا تقتصر على النشاط السياسي المباشر، وإنما تمتد إلى المجال العام والتجمعات الاجتماعية، في محاولة للسيطرة على أي مساحة يمكن أن تتشكل فيها حالة جماعية بعيدة عن رقابة السلطات.
اعتقالات استباقية ومخاوف من الاحتجاج
وتأتي هذه الإجراءات في إطار ما تصفه المصادر بخطة أمنية واستخباراتية أوسع يجري إعدادها لمواجهة أي دعوات شعبية للاحتفال بذكرى 26 سبتمبر.
وتتضمن الخطة، بحسب المصادر، مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي ورصد المنشورات والدعوات التي تحث المواطنين على الخروج أو تنظيم فعاليات احتفالية في الساحات والأحياء، إلى جانب متابعة الناشطين والشخصيات الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تلعب دوراً في تنظيم مثل هذه الفعاليات.
وتقول المصادر إن الأجهزة التابعة للجماعة تعتزم اتخاذ إجراءات مبكرة ضد أي نشاط تعتبره خارج إطار الفعاليات الرسمية التي تنظمها سلطات الحوثيين، مع منع التجمعات العامة التي لا تحصل على موافقة مسبقة من الجهات الأمنية.
ولا تبدو المخاوف الحوثية، وفق مراقبين، مرتبطة بالاحتفال الرمزي وحده، وإنما باحتمال أن تتحول الذكرى إلى مناسبة احتجاجية أوسع، خصوصاً في ظل تراكم الأزمات الاقتصادية والمعيشية وتراجع الخدمات واتساع حالة السخط الشعبي.
ففي المجتمعات التي تعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة، يمكن للمناسبات الوطنية والتاريخية أن تتحول إلى مساحة للتعبير عن الأوضاع الراهنة، وهو ما يبدو أن الجماعة تسعى إلى منعه قبل أن يتبلور على الأرض.
الأعلام والزينات تحت المجهر
ولا تقتصر الإجراءات، وفق المصادر، على منع التجمعات، بل تمتد إلى الرموز المرتبطة بالاحتفال بذكرى الثورة.
وتشير المعلومات إلى أن الجماعة تعتزم تشديد الرقابة على بيع الأعلام والزينات التي عادة ما تنتشر في الأسواق والمنازل والشوارع قبيل ذكرى 26 سبتمبر، مع مراقبة عمليات البيع بكميات كبيرة والاستفسار عن الجهات أو الأشخاص الذين يشترونها.
وتكتسب الأعلام والرموز الوطنية أهمية خاصة في هذه المناسبة، إذ اعتاد اليمنيون خلال السنوات الماضية على رفع العلم الجمهوري وتزيين المنازل والسيارات والشوارع به، في تعبير عن ارتباطهم بالثورة والنظام الجمهوري.
ومن هنا، فإن الحد من انتشار هذه الرموز لا يمثل مجرد إجراء تنظيمي بالنسبة إلى كثير من اليمنيين، وإنما يُقرأ باعتباره محاولة للحد من الحضور الشعبي للمناسبة نفسها.
الحوثيون في مواجهة ذاكرة 26 سبتمبر
في المقابل، تستعد الجماعة لإحياء ذكرى سيطرتها على صنعاء في 21 سبتمبر 2014 عبر فعاليات واسعة وتجمعات مؤيدة لها، في مسعى لتعزيز حضور هذه المناسبة في المجال العام وموازنة الحضور الشعبي لذكرى 26 سبتمبر.
وتسعى الجماعة، وفق المصادر، إلى تقديم المناسبتين ضمن سردية سياسية واحدة، وربط ما تسميه «ثورة 21 سبتمبر» بتاريخ الثورة اليمنية، في محاولة لإعادة صياغة الرواية السياسية والتاريخية لدى الأجيال الجديدة.
غير أن هذا الطرح يواجه رفضاً من قطاعات واسعة من اليمنيين، الذين يرون أن ثورة 26 سبتمبر تمثل نقطة تحول تاريخية أنهت الحكم الإمامي وأرست النظام الجمهوري، بينما ينظرون إلى سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014 باعتبارها انقلاباً على مؤسسات الدولة والتوافق السياسي.
ويزداد التناقض وضوحاً في مسألة الرموز؛ فبينما يمثل العلم الجمهوري وذكرى 26 سبتمبر بالنسبة إلى كثير من اليمنيين رموزاً للدولة والجمهورية، تحاول الجماعة فرض رموز وشعارات ومناسبات مرتبطة بمشروعها السياسي والعقائدي.
الخوف من «سبتمبر» لا من الاحتفال فقط
ويرى مراقبون أن الحساسية الحوثية تجاه ذكرى 26 سبتمبر تتجاوز مسألة الاحتفالات إلى ما يمكن تسميته بـ«الخوف من الذاكرة».
فالمناسبة تستحضر في الوعي اليمني فكرة إسقاط نظام حكم قائم على الامتيازات السلالية، وإقامة نظام جمهوري يقوم، من حيث المبدأ، على المواطنة والمساواة، وهي مفاهيم تتعارض مع التصورات التي يرى منتقدو الجماعة أنها تحاول إعادة إنتاجها سياسياً واجتماعياً.
ولهذا السبب، يعتقد المراقبون أن الجماعة لا تريد ترك مساحة واسعة لاحتفالات شعبية مستقلة، خشية أن تتحول الشعارات والأعلام والتجمعات إلى تعبير سياسي عن رفض سلطتها.
وتزداد هذه المخاوف في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها السكان في مناطق سيطرة الجماعة، إذ يمكن لاحتفال وطني واسع أن يتحول بسهولة إلى مساحة للاحتجاج على انقطاع المرتبات وارتفاع الأسعار والبطالة وتراجع الخدمات.
محاولة احتكار المجال العام
وبحسب المصادر، تتضمن الترتيبات الحوثية أيضاً تشديد الرقابة على الناشطين السياسيين والحقوقيين والأحزاب، وفي مقدمتها قيادات وأعضاء حزب المؤتمر الشعبي العام، ومنع إقامة أي لقاءات أو فعاليات من دون موافقة الجهات الأمنية التابعة للجماعة.
كما تتجه السلطات الحوثية، وفق المعلومات ذاتها، إلى إحكام سيطرتها على المدارس والجامعات والدوائر الحكومية، ومنع إقامة فعاليات أو أنشطة تتناول ذكرى الثورة بعيداً عن الإشراف المباشر للجماعة.
ويعني ذلك، في حال تطبيق هذه الإجراءات على نطاق واسع، أن الجماعة تسعى إلى التحكم ليس فقط في كيفية الاحتفال بالمناسبة، وإنما في مضمون الرواية التي ستُقدم للأجيال الجديدة بشأنها.
فالمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمجالس العامة تمثل جميعها ساحات لتشكيل الوعي، والسيطرة عليها تمنح الجماعة قدرة أكبر على إعادة تعريف الأحداث التاريخية بما يتوافق مع خطابها السياسي.
«مخططات خارجية» كغطاء للإجراءات
ومن المتوقع، وفق المصادر، أن ترافق الإجراءات الأمنية حملة إعلامية تحذر من دعوات الاحتفال خارج الأطر التي تحددها الجماعة، مع ربط أي تحرك شعبي محتمل بما تسميه السلطات الحوثية «مخططات خارجية» أو محاولات لـ«زعزعة الأمن والاستقرار».
ويرى مراقبون أن مثل هذه الخطابات يمكن أن تستخدم لتوفير غطاء سياسي وأمني لحملات الاعتقال والملاحقة، وتحويل الاحتفال بمناسبة وطنية إلى قضية أمنية.
كما تشير المصادر إلى احتمال استخدام تحذيرات من وجود مخاطر أمنية أو محاولات لاختراق التجمعات الشعبية لتبرير منع الفعاليات، أو بث مخاوف بين المواطنين من المشاركة فيها.
وبهذه الطريقة، تتحول إجراءات المنع من كونها قراراً سياسياً إلى ما يشبه «إجراءً احترازياً» تدعي الجماعة أنه يستهدف حماية المواطنين والحفاظ على الأمن.
«سبتمبر».. من ذكرى تاريخية إلى مساحة احتجاج
خلال السنوات الأخيرة، اكتسبت ذكرى 26 سبتمبر بعداً يتجاوز الاحتفال التاريخي، إذ أصبحت المناسبة بالنسبة إلى كثير من اليمنيين فرصة للتعبير عن التمسك بالهوية الجمهورية ورفض مشاريع الحكم القائمة على التمييز أو فرض الأمر الواقع.
ومع استمرار الأزمة الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية، باتت الرموز المرتبطة بالمناسبة تُستخدم أحياناً في التعبير عن الاحتجاج السلمي، سواء من خلال رفع العلم الجمهوري أو تزيين المنازل والسيارات أو تداول الأغاني والشعارات الوطنية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن هنا، تبدو حساسية الجماعة تجاه المناسبة مفهومة في سياق محاولتها السيطرة على المجال العام؛ فالمشكلة بالنسبة إليها، وفق قراءة المراقبين، ليست في يوم واحد من الاحتفالات، وإنما في احتمال تشكل حالة شعبية واسعة تستعيد فيها الذاكرة الوطنية حضورها خارج السيطرة الحوثية.
بين «26 سبتمبر» و«21 سبتمبر»
وفي الوقت الذي تكثف فيه الجماعة استعداداتها لإحياء ذكرى سيطرتها على صنعاء، يبدو الصراع على المناسبات والرموز جزءاً من صراع أوسع على الرواية السياسية والتاريخية في اليمن.
فالحوثيون يحاولون ترسيخ 21 سبتمبر بوصفه مناسبة تأسيسية لمشروعهم السياسي، بينما يتمسك قطاع واسع من اليمنيين بـ26 سبتمبر باعتبارها لحظة تأسيس الجمهورية اليمنية الحديثة.
وبين المناسبتين، لا يدور الصراع على التاريخ وحده، وإنما على معنى الدولة والهوية الوطنية وشكل النظام السياسي ومستقبل اليمن.
ويرى مراقبون أن نجاح الجماعة في فرض مناسبتها الجديدة لا يتوقف على حجم الفعاليات التي تنظمها، بقدر ما يرتبط بقدرتها على تغيير الوعي الشعبي، وهو أمر يبدو أكثر صعوبة في ظل استمرار حضور رمزية 26 سبتمبر في المجتمع اليمني.
استنفار يكشف حجم المخاوف
ويعكس الاستنفار المبكر، بحسب مراقبين، حجم القلق الذي تبديه الجماعة من احتمال خروج ذكرى 26 سبتمبر عن السيطرة وتحولها إلى مناسبة شعبية للاحتجاج.
فبدلاً من انتظار موعد المناسبة ثم التعامل مع أي مخالفات محتملة، بدأت الإجراءات الأمنية قبل أسابيع، وفق المصادر، عبر مراقبة التجمعات والناشطين والأسواق ووسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة لإجهاض أي تحرك قبل أن يبدأ.
وبالنسبة إلى كثير من اليمنيين، فإن استمرار حضور 26 سبتمبر بعد أكثر من ستة عقود على اندلاعها يؤكد أن المناسبة لم تعد مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل تحولت إلى جزء من الذاكرة السياسية والاجتماعية للبلاد.
وفي ظل واقع الحرب والانقسام وتدهور الاقتصاد وتراجع الخدمات، يبدو أن الجماعة الحوثية تتعامل مع هذه الذاكرة باعتبارها تحدياً سياسياً محتملاً، الأمر الذي يفسر، وفق مراقبين، انتقالها مبكراً إلى سياسة الاستنفار والرقابة والاحتواء.
وهكذا، تبدو معركة الحوثيين مع 26 سبتمبر أبعد من منع احتفال أو رفع علم؛ إنها، في جوهرها، محاولة للسيطرة على الذاكرة الوطنية والمجال العام والرواية السياسية، في وقت لا تزال فيه رمزية الثورة حاضرة في وجدان قطاعات واسعة من اليمنيين، وتتحول كل عام من مناسبة تاريخية إلى اختبار جديد لمدى قدرة الجماعة على فرض روايتها في مجتمع لم تتوقف فيه الأسئلة حول الدولة والجمهورية والمواطنة.
المصدر:
عدن الغد