لم تتوقف تداعيات الحرب في اليمن عند صمت المدافع وتراجع المواجهات في بعض المناطق، إذ لا تزال الألغام والذخائر غير المنفجرة والعبوات الناسفة تشكل خطراً قاتلاً يتربص بالمدنيين في الطرقات والمزارع والمنازل.
ويكشف تقرير حديث عن واقع الألغام ومخلفات الحرب في اليمن، أن هذه المواد المتفجرة تحولت إلى «قاتل صامت» يواصل حصد الضحايا، ويعرقل عودة النازحين إلى مناطقهم، كما يحرم آلاف السكان من الوصول إلى أراضيهم ومصادر رزقهم.
وتنتشر مخلفات الحرب في عدد كبير من المحافظات، خصوصاً المناطق التي شهدت مواجهات طويلة، من بينها الحديدة وتعز ومأرب والجوف وشبوة ولحج والضالع وصعدة، إضافة إلى محافظات أخرى شهدت عمليات عسكرية خلال سنوات الصراع.
ولا تقتصر المخاطر على الألغام المضادة للأفراد والدبابات، بل تشمل أيضاً الذخائر غير المنفجرة والعبوات الناسفة، التي وُجد بعضها في المنازل والأراضي الزراعية وعلى جوانب الطرق وفي مجاري السيول، الأمر الذي يجعل اكتشافها والتعامل معها مهمة شديدة الخطورة.
آلاف الضحايا
وبحسب البيانات التي أوردها التقرير نقلاً عن مرصد الألغام الأرضية، فقد تم توثيق 11,807 ضحايا للألغام والذخائر غير المنفجرة في اليمن خلال فترات زمنية مختلفة، بينهم 4,262 قتيلاً و7,491 مصاباً، مع الإشارة إلى أن الأرقام تمثل الحالات الموثقة فقط، وقد تكون الحصيلة الفعلية أعلى.
وتطال هذه المأساة المدنيين بصورة كبيرة، وبينهم أطفال ونساء، فيما يخلف انفجار الألغام إصابات بالغة وإعاقات دائمة وبتر الأطراف.
83 مليون متر مربع جرى تطهيرها
وفي مواجهة هذا الخطر، تتواصل عمليات نزع الألغام والتطهير الميداني، إذ تشير البيانات الواردة في التقرير إلى تطهير أكثر من 83.7 مليون متر مربع من الأراضي حتى نهاية يوليو 2026، والتعامل مع أكثر من 578 ألف لغم وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة.
وتشمل هذه الحصيلة أكثر من 409 آلاف ذخيرة غير منفجرة، ونحو 152 ألف لغم مضاد للدبابات، وأكثر من 7.6 آلاف لغم مضاد للأفراد، إضافة إلى أكثر من 8.6 آلاف عبوة ناسفة.
ورغم حجم عمليات التطهير، لا تزال المشكلة قائمة، خصوصاً مع اكتشاف مخلفات جديدة في مناطق مختلفة، فضلاً عن صعوبة تحديد مواقع بعض الألغام بسبب غياب الخرائط الدقيقة لحقول زرعها.
الألغام تعطل الحياة قبل أن تحصد الأرواح ولا تتوقف آثار الألغام عند سقوط الضحايا، بل تمتد إلى الزراعة والاقتصاد وعودة النازحين وإعادة الإعمار.
فالمزارع التي يخشى أصحابها دخولها، والطرق التي يتجنبها السكان، ومصادر المياه التي تصبح محفوفة بالخطر، كلها تتحول إلى نقاط معطلة للحياة اليومية.
كما أن تطهير الأراضي بات شرطاً أساسياً أمام عودة السكان واستئناف النشاط الزراعي وفتح الطرق وإعادة تشغيل المرافق والخدمات.
الخطر لا ينتهي بانتهاء المعارك وتشير المعطيات الميدانية إلى أن بعض المناطق التي سبق تطهيرها شهدت عمليات إعادة تلغيم، ما يفرض الحاجة إلى إعادة المسح والتأكد من خلوها من المخلفات المتفجرة.
وفي ظل استمرار الخطر، تبرز التوعية المجتمعية كخط دفاع أساسي، إلى جانب مواصلة عمليات المسح والتطهير، خصوصاً في المناطق السكنية والطرق والمزارع ومصادر المياه.
وهكذا، تبدو الحرب في اليمن أبعد من ساحات القتال؛ فحتى عندما تصمت البنادق، تبقى الأرض نفسها حاملةً لآثار الحرب، وقد يتحول طريق العودة إلى المنزل أو المزرعة إلى رحلة محفوفة بالموت.
المصدر:
مأرب برس