آخر الأخبار

تصدع البيت الخليجي.. الخلاف السعودي الإماراتي ينتقل إلى القطاع المالي

شارك

الأهمية هنا لا تكمن فقط في تأخير تحويلات مالية أو إخضاعها لمراجعات مصرفية إضافية، وإنما في الجهة التي صدرت عنها الإجراءات وطبيعتها. فالتدقيق المشدد على التحويلات المرتبطة بدولة معينة يحمل دلالة تتجاوز الإجراءات المصرفية المعتادة، خصوصاً عندما يؤدي إلى إعادة بعض التحويلات أو تعليقها لأسابيع. وبذلك يتحول النظام المالي نفسه إلى أداة ضغط، حتى من دون إعلان إجراءات عقابية مباشرة.

ويبدو أن الرياض تتعامل مع الإمارات باعتبارها بيئة تحتاج إلى مستوى أعلى من التدقيق المالي. وهذا تطور لافت، لأن العلاقة بين البلدين خلال السنوات الماضية قامت على درجة عالية من التنسيق السياسي والأمني والاستثماري. لذلك فإن وضع الإمارات عملياً ضمن قائمة الدول ذات المخاطر المالية المرتفعة يعكس، في أحد أبعاده، تراجع مستوى الثقة المتبادلة.

وتزداد دلالة هذه الخطوة إذا ربطت بالتوقيت. فقد بدأت مشكلات التحويلات بالظهور بصورة أوضح بعد إعلان الإمارات انسحابها من منظمة أوبك في 28 أبريل. ومن الصعب النظر إلى التوقيت بمعزل عن المسار العام للعلاقات، خصوصاً أن الخلافات بين الرياض وأبوظبي لم تعد حادثة منفردة، وإنما أصبحت مجموعة متراكمة من التباينات حول المصالح الاقتصادية والنفوذ الإقليمي.

في اليمن، يمثل التنافس بين الطرفين أحد أبرز مظاهر هذا التحول. فالسعودية تنظر إلى الملف اليمني من زاوية أمنها القومي وحدودها والحاجة إلى بناء قوة محلية يمكن الاعتماد عليها في مواجهة الحوثيين، بينما عملت الإمارات خلال السنوات الماضية على بناء شبكات نفوذ عسكرية وسياسية خاصة بها، خصوصاً في الجنوب والساحل الغربي. ومع تغير أولويات الرياض، أصبحت بعض القوى المرتبطة بأبوظبي جزءاً من معادلة النفوذ التي تحاول السعودية إعادة ترتيبها.

الأمر نفسه يظهر في السودان والصومال وملفات أخرى، حيث لم يعد البلدان يتحركان دائماً ضمن الرؤية الخليجية نفسها. وبات التنافس على النفوذ والموانئ والممرات البحرية والشركاء المحليين أكثر وضوحاً. وهذا يعني أن الخلاف السعودي الإماراتي لم يعد خلافاً على ملف واحد، بل تحول تدريجياً إلى منافسة على شكل الترتيبات الإقليمية نفسها.

اقتصادياً، يبدو التنافس أكثر تعقيداً. فقد تحولت الإمارات، ولا سيما دبي، إلى مركز إقليمي رئيسي للأعمال والاستثمار، بينما تدفع السعودية بقوة نحو تحويل الرياض إلى مركز اقتصادي منافس في المنطقة. ومع توسع المشاريع السعودية ومحاولتها جذب الشركات والاستثمارات، أصبح التنافس الاقتصادي جزءاً من الصراع على النفوذ، وليس مجرد منافسة تجارية طبيعية.

ومن هنا يمكن فهم تأثير الإجراءات المصرفية الأخيرة. فإذا بدأت الشركات السعودية تواجه صعوبات في التعامل مع شركات إماراتية، أو طُلب من بعض المستثمرين نقل عملياتهم خارج الإمارات، فإن الأمر قد يتحول تدريجياً إلى ضغط اقتصادي غير مباشر يهدف إلى تقليص الاعتماد المتبادل. وهذه خطوة أكثر حساسية من البيانات السياسية، لأنها تصل مباشرة إلى مصالح رجال الأعمال والشركات.

لكن الأهم أن هذه التطورات تكشف مشكلة أوسع داخل المنظومة الخليجية. فمجلس التعاون الخليجي قام تاريخياً على افتراض وجود حد أدنى من التضامن بين الدول الأعضاء، حتى عندما تختلف مواقفها. أما انتقال الخلافات إلى أدوات اقتصادية ومالية فيعني أن قدرة هذه المنظومة على احتواء التنافس الداخلي تتعرض لاختبار حقيقي.

وعليه، فإن التطور الأخطر ليس في تأخر تحويل مالي بعينه، وإنما في أن الخلاف السياسي بدأ يجد طريقه إلى المؤسسات الاقتصادية والمالية. وحين تصبح البنوك أكثر حذراً في التعامل مع دولة كانت حتى وقت قريب شريكاً استراتيجياً، فهذا يعني أن الخلاف تجاوز مرحلة التصريحات والتسريبات إلى مرحلة إعادة بناء قواعد العلاقة نفسها.

الخلاصة أن البيت الخليجي لا يواجه مجرد خلاف سعودي إماراتي عابر، بل تصدعاً متزايداً في مركزه السياسي. وكلما انتقلت المنافسة من اليمن والسودان والصومال إلى الاقتصاد والمال، أصبحت إمكانية احتوائها أصعب. وقد لا تصل الرياض وأبوظبي إلى مواجهة مفتوحة، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن مرحلة التحالف الوثيق بينهما انتهت عملياً، وأن المرحلة المقبلة ستقوم على **تحالف الضرورة وتنافس النفوذ.


* نقلا عرب جورنال


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا