ويكشف هذا المشهد، جانباً من السياسة السعودية طوال سنوات الحرب، والقائمة على استقطاب آلاف اليمنيين للقتال ضد أبناء بلدهم، مقابل وعود بالرواتب والدعم والحماية، قبل أن يجد كثير منهم أنفسهم في مقدمة خطوط النار، بينما تبقى القيادات والجهات الداعمة في القصور الفارهة خارج اليمن و بعيدة عن المخاطر المباشرة. فكلما اشتدت المواجهات، تظهر الحقيقة نفسها، وهي أن الأتباع فقط هم من يدفعون الثمن الحقيقي للحرب وما أولئك المجندون سوى وقود لحرب تقودها السعودية وفق حسابات سياسية ومصلحية وإقليمية أكبر منهم.
ولا يقتصر الأمر على الخسائر البشرية، بل يمتد إلى البعد الأخلاقي للصراع، إذ أن تحويل أبناء الوطن الواحد إلى أطراف متقاتلة يخدم استراتيجية تقوم على استنزاف اليمنيين ونهب ثرواتهم وتمزيق نسيجهم الاجتماعي، بما يعمق حالة الانقسام وإضعاف أي مشروع وطني جامع. وفي المقابل، يبقى الداعم الخارجي بمنأى عن دفع الكلفة البشرية المباشرة، فيما يتحمل اليمنيون وحدهم تبعات الحرب من دمائهم وأسرهم ومستقبلهم.
كما تعكس مثل هذه الوقائع طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الداعم الخارجي والقوات المحلية، حيث يُنظر إلى المقاتل باعتباره وسيلة لتحقيق أهداف مرحلية، وليس عنصراً يستحق الحماية والرعاية عند اشتداد الأخطار. وعندما يشعر الجندي بأن حياته ليست أولوية لدى من يقوده أو يدعمه، فإن ذلك ينعكس على معنوياته وثقته، ويؤكد أن قيمة الإنسان في مثل هذه الحروب بالوكالة تصبح مرتبطة بقدر ما يقدمه من خدمة، لا بما يستحقه من وفاء أو مسؤولية.
ومن هذا المنطلق، فإن ترك الجنود في الميدان لا يمثل مجرد إخفاق عسكري فقط، بل يكشف فلسفة كاملة في إدارة الصراع، قوامها استخدام المجندين اليمنيين كأدوات لتنفيذ أجندات لا تعود عليهم بأي مكسب حقيقي. فبعد سنوات من القتال، بقيت الحصيلة بالنسبة لآلاف المقاتلين مزيداً من الضحايا والانقسامات، بينما ظل القرار السياسي والعسكري بيد القوى الخارجية، الأمر الذي يجعل من هذه المشاهد رسالة قاسية لكل من يعتقد أن من يدفعه إلى قتال أبناء وطنه سيقف إلى جانبه عندما تحين لحظة الخطر.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية