ويكشف حديث بن بريك أن الانتقالي لم يعد ينظر إلى السعودية باعتبارها الطرف القادر على قيادة الحل، بل باعتبارها جزءا من المشكلة. فقد أكد أن اليمنيين في الشمال والجنوب استنفدوا كل أسباب الصبر بعد أكثر من عقد من الحرب، وأن السعودية تتحمل وزر هذا الواقع بسبب الطريقة التي أدارت بها الملف اليمني. وهذا يمثل تصعيدا سياسيا لافتا، لأن الانتقاد لم يعد موجها إلى أداء بعض المسؤولين فقط، بل إلى السياسة السعودية نفسها ونتائجها على الأرض.
ومن اللافت أيضا أن بن بريك ترك بابا مفتوحا أمام احتمالين، الأول أن من يديرون الملف اليمني داخل السعودية يقودونها إلى خيارات خاطئة، والثاني أن ما يجري قد يكون سياسة مقصودة، وهو ما ألمح إليه بقوله: "إلا إذا كان ما يجري متعمدا". وهذه العبارة تمنح تصريحاته بعدا أكبر، لأنها لا تكتفي بانتقاد سوء الإدارة، بل تثير تساؤلات حول طبيعة الأهداف التي تقف خلف السياسات السعودية في اليمن.
وفي الوقت نفسه، حافظ بن بريك على هجومه التقليدي ضد جماعة الإخوان المسلمين، معتبرا أنهم يقفون خلف كثير من السياسات الخاطئة، وأنهم يعملون ضد مصالح السعودية نفسها. لكنه في المقابل لم يعف الرياض من المسؤولية، بل حملها مسؤولية الاستمرار في الاعتماد على هذه القوى رغم فشلها خلال السنوات الماضية. وبذلك يصبح جوهر الرسالة أن المشكلة لا تكمن فقط في نفوذ الإخوان، وإنما أيضا في القرار السعودي الذي سمح باستمرار هذا النفوذ.
كما ركز بن بريك على جانب آخر لا يقل أهمية، وهو خسارة السعودية لمعركة الرأي العام داخل اليمن. فقد أشار إلى أن أنصار الله نجحوا في إقناع أعداد كبيرة من اليمنيين بأن الرياض تقف وراء معاناتهم، وأن السياسات السعودية ساعدت على ترسيخ هذه الصورة. ولا يعني ذلك بالضرورة تبني رواية أنصار الله، لكنه يعكس قناعة بأن الأداء السعودي وفر لهم مادة سياسية وإعلامية فعالة، خصوصا مع استمرار الأزمات الاقتصادية وتراجع الخدمات وتدهور الأوضاع المعيشية.
وفي السياق نفسه، هاجم بن بريك ما وصفه بالأشخاص الذين يقدمون صورة غير واقعية لصانع القرار السعودي، ويصورون أن الأمور تسير بشكل جيد وأن الحوثيين على وشك الهزيمة. ومن خلال هذا الطرح، أراد التأكيد أن المشكلة لا تقتصر على الخيارات السياسية، بل تمتد أيضا إلى آلية نقل المعلومات وصناعة القرار، بما يؤدي إلى استمرار السياسات نفسها رغم نتائجها السلبية.
وتحمل هذه التصريحات أيضا رسالة تتجاوز الداخل اليمني، إذ توحي بأن الانتقالي يسعى إلى ترسيخ نفسه كطرف مستقل عن السياسات السعودية، وأنه لم يعد مستعدا للدفاع عنها أو تحمل تبعاتها أمام الشارع الجنوبي واليمني عموما. وهذا ينسجم مع مسار سياسي ظهر خلال الفترة الأخيرة، اتسم بزيادة الانتقادات العلنية للرياض، خاصة بعد الخلافات المتعلقة بحضرموت والمهرة، وما رافقها من تباين في الرؤى بشأن مستقبل الجنوب وإدارة المناطق الخاضعة لنفوذ التحالف.
وفي المجمل، تعكس تصريحات هاني بن بريك مرحلة جديدة في العلاقة بين المجلس الانتقالي والسعودية، تقوم على المواجهة السياسية العلنية أكثر من التنسيق أو الشراكة، رغم التهدئة الإعلامية الأخيرة بين الرياض وأبوظبي.
كما تكشف أن الانتقالي يسعى إلى تحميل الرياض المسؤولية عن مخرجات السنوات الماضية، مع تقديم نفسه بوصفه طرفا مستقلا عن تلك السياسات. وإذا استمر هذا المسار، فقد يشهد المشهد اليمني إعادة رسم لخريطة التحالفات، بحيث تصبح الخلافات مع السعودية عاملا مؤثرا في تحديد مواقف بعض القوى المحلية، إلى جانب الصراع القائم مع صنعاء. ففي اليمن، لا تبقى التحالفات ثابتة إلى الأبد، بل يعيدها الواقع السياسي تشكيلها كلما تغيرت موازين المصالح والنفوذ.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية