آخر الأخبار

منعطف "الحصار بالحصار": كيف أفرز تعنت الرياض فاتورة تصعيد باهظة؟

شارك

ويأتي هذا التحول العسكري الحاسم، المدعوم بتأييد شعبي واسع في الأوساط اليمنية، ليسلط الضوء على استمرار الجمود في مسارات التسوية وتملص الرياض من استحقاقات السلام، فمع هذه الضربات المتبادلة والنوعية، دخلت الأزمة مرحلة اشتباك جديدة تؤكد أن الرياض هي من اختارت مسار التصعيد عبر إدارة الظهر للمطالب الإنسانية المشروعة، متجاهلة حقيقة أن فاتورة السلام كانت أرخص بكثير من فاتورة الحرب الباهظة والتكلفة الاقتصادية والأمنية الفادحة التي باتت تدفعها في عمقها الحيوي.

ولا يمكن قراءة المشهد الراهن بعيداً عن مسار المفاوضات المتعثرة طيلة السنوات الماضية؛ فقد أتيحت للرياض فرص متكررة لإنجاز تسوية سياسية عادلة تنهي المعاناة الإنسانية في اليمن، إلا أنها لجأت إلى سياسة المماطلة والرهان على الوقت والتنصل من الالتزامات الإنسانية والاقتصادية، حيث كشفت التطورات الأخيرة أن النظام السعودي هو المحرك الأساسي والمسؤول المباشر عن تعطيل الحياة وفرض القيود القاسية على الموانئ والمطارات والمنافذ البرية.

ومع إقدام الطيران السعودي مؤخراً على استهداف مطار صنعاء الدولي ومحافظة الحديدة، أطاحت الرياض بآخر أوراق التوت التي تسترت خلفها طويلاً كمحايد في النزاع، لتؤكد بالملموس أنها فضلت خيار التصعيد ورفض الاستجابة للنداءات الشعبية والوطنية الرامية لفك الحصار الشامل.

وتضعنا الأحداث الجارية أمام مقارنة اقتصادية واستراتيجية صارخة تكشف خطأ الحسابات السعودية؛ فما كانت ستدفعه الرياض من استحقاقات بسيطة لتنفيذ خارطة الطريق الإنسانية، من فتح الموانئ والمطارات، وصرف المرتبات من عائدات الثروات السيادية، وإغلاق ملف الأسرى، يقل أضعافاً مضاعفة عن التكلفة الاقتصادية والأمنية الباهظة فاتورة التصعيد العسكري اليوم.

ويرى محللون أن تنفيذ قوات صنعاء لعمليات عسكرية نوعية استهدفت بعشرات الصواريخ المنشآت النفطية الحيوية لشركة أرامكو في جيزان وينبع، يترجم بوضوح حجم الخسائر الفادحة التي تلحق بالعمق السعودي وبيئة الاستثمار الأجنبي فيها، حيث تحولت سياسة الهروب إلى الأمام والمماطلة السياسية إلى عبء ثقيل يهدد الاستقرار الاقتصادي والمشاريع التنموية المستقبلية للمملكة، مما يثبت أن استمرار الحصار يقابل دائماً بإجراءات رادعة تقلب معادلات الاستقرار رأساً على عقب.

وتنطلق التحركات العسكرية الأخيرة لقوات صنعاء من أرضية صلبة وتغير نوعي جذري في معادلات الردع العسكري، فالنظام السعودي يبدو الطرف الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الجديدة، حيث يتجاهل حقيقة أن ما عجز عن تحقيقه عسكرياً طيلة سنوات الحرب والتحالف المباشر منذ مارس 2015، يعجز عنه بصورة أكبر وأوضح اليوم، ولا سيما بعد أن طورت قوات صنعاء قدراتها الصاروخية والمسيرة بشكل نوعي يمكنها من نقل الكلفة الاقتصادية والعسكرية المباشرة إلى العمق السعودي، وفرض قواعد اشتباك جديدة لا رجعة فيها.

وبحسب المحللين فإن هذا التطور الميداني يعكس حقيقة أن عقارب الساعة لا تعود للوراء، وأن الرهان على فرض الشروط أو كسر الإرادة اليمنية بات وهماً استراتيجياً يسقط تباعاً أمام صلابة القدرات الدفاعية والهجومية لقوات صنعاء.

وأمام هذا المفترق الخطير والمنعطف الاستراتيجي الحاسم، يبدو المخرج الوحيد أمام النظام السعودي لتجنب التداعيات الكارثية هو الرضوخ لصوت العقل، والاعتراف بالحقائق الميدانية الجديدة، حيث أن التمادي في الرهان على التصعيد لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر الجسيمة التي ستكون الرياض هي الأكثر نزيفا منها.

ويؤكد المحللون أن السعودية، ومن خلال اختيارها لمسار التصعيد نتيجة سوء تقدير للتداعيات والتبعات التي ستنتج عن هذا المسار فقدت أي فرصة لاستمرار المراوغة، ولم يعد أمامها سوى خيار واحد يتمثل في الاستجابة الفورية للمطالب الإنسانية المشروعة، وإنهاء الحصار المفروض على مناطق سيطرة حكومة صنعاء بشكل كامل ودون قيد أو شرط، تفادياً لانزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة ومدمرة تفرضها حتمية معادلة الحصار بالحصار.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا