فالمعلومات المتعلقة بالتحقيق مع أعضاء الوفد، ومصادرة هواتفهم، وتأخر السماح لهم بالعودة إلى عدن، توحي بأن السعودية تتعامل مع قيادات المجلس باعتبارها ملفاً سياسياً وأمنياً يخضع لإدارة مباشرة، وليس مجرد وفد لحليف سياسي.
وتشير هذه المعطيات إلى أن قرار حل المجلس في يناير الماضي لم يكن حدثاً منفصلاً، وإنما جاء ضمن مسار أوسع لإعادة ترتيب المشهد السياسي في جنوب اليمن. فبحسب ما نشرته وسائل إعلام الانتقالي نفسها، سبقت إعلان الحل ضغوط سياسية مكثفة مارستها الرياض، وهو ما يعني أن القرار لم يكن نابعاً من توافق داخلي فقط، بل ارتبط بتوازنات فرضتها السعودية باعتبارها الطرف الأكثر تأثيراً في الحكومة اليمنية والقوى الموالية لها.
كما أن الحديث عن إخضاع أعضاء الوفد لتحقيقات فردية ومصادرة هواتفهم الشخصية يحمل دلالة مهمة. ففي العادة، لا يتم اتخاذ مثل هذه الإجراءات مع وفود سياسية إلا إذا كانت هناك رغبة في إحكام السيطرة على تحركاتها واتصالاتها، أو التحقق من طبيعة علاقاتها خلال مرحلة حساسة. وهذا يعكس حجم انعدام الثقة الذي أصبح يطبع العلاقة بين الطرفين مقارنة بما كانت عليه في السنوات السابقة.
وتزداد أهمية هذه التفاصيل عندما تقترن بطلب قيادات الوفد العودة إلى عدن منذ شهرين، وعدم حصولهم حتى الآن على موافقة نهائية. فلو كانت المسألة مجرد إجراءات تنظيمية، لكان من المتوقع حسمها خلال فترة قصيرة، لكن استمرار تأجيل الرد يوحي بأن بقاء هؤلاء في الرياض ليس قراراً شخصياً، وإنما جزء من ترتيبات سياسية لم تكتمل بعد.
ومن زاوية أخرى، فإن استمرار وجود قيادات الانتقالي في الرياض يحد من قدرتها على التأثير المباشر في التطورات داخل المحافظات الجنوبية. فالقيادة السياسية لأي مكون تحتاج إلى الحضور الميداني للتواصل مع قواعدها، وإدارة الملفات التنظيمية والعسكرية والسياسية. أما بقاؤها خارج مناطق نفوذها لفترة طويلة، فإنه يمنح أطرافاً أخرى مساحة أكبر لإدارة المشهد على الأرض.
وقد يكون هذا أحد الأسباب التي دفعت وسائل إعلام الانتقالي إلى نشر هذه التفاصيل في هذا التوقيت. فإظهار القيادات على أنها تتعرض لضغوط أو تمنع من العودة قد يكون محاولة لتفسير غيابها أمام جمهورها، ونقل جزء من مسؤولية هذا الغياب إلى الجانب السعودي، بدلاً من ترك المجال أمام تفسيرات أخرى تتعلق بضعف المجلس أو تراجع دوره.
وفي المقابل، لا تبدو السعودية مستعجلة لإغلاق هذا الملف، إذ يبدو أنها تفضل الإبقاء على حالة الانتظار إلى حين استكمال رؤيتها بشأن شكل السلطة المحلية والقوى التي ستدير الجنوب خلال المرحلة المقبلة. ولذلك فإن استمرار عبارة "الملف لا يزال قيد الدراسة" يعكس أن القرار النهائي لم يُحسم بعد، أو أن توقيت تنفيذه مرتبط بتطورات سياسية وأمنية أوسع.
ويأتي ذلك في سياق التحولات التي شهدها جنوب اليمن منذ أواخر عام 2025، حيث تغيرت موازين القوى بصورة واضحة، وأصبح النفوذ السعودي أكثر حضوراً في المحافظات الجنوبية بعد تراجع النفوذ الإماراتي المباشر. ومع هذا التحول، بدأت الرياض بإعادة تنظيم القوى المحلية بما يتوافق مع رؤيتها الجديدة، وهو ما انعكس على وضع المجلس الانتقالي وقياداته.
ومن المحتمل أيضاً أن يكون استمرار بقاء قيادات الانتقالي في الرياض وسيلة لضمان عدم اتخاذ أي خطوات منفردة قد تعيد خلط الأوراق داخل الجنوب، خاصة إذا كانت هناك ترتيبات أمنية أو سياسية يجري العمل عليها بعيداً عن الأضواء. فوجود القيادات خارج الميدان يقلل من قدرتها على تحريك أنصارها أو اتخاذ قرارات قد تتعارض مع المسار الذي تريده الرياض.
في المحصلة، فإن ما كشفته وسائل إعلام الانتقالي يتجاوز كونه رواية عن معاناة وفد سياسي داخل الرياض، ليقدم مؤشرات على طبيعة العلاقة الجديدة بين السعودية والمجلس بعد حله.
فالإجراءات الأمنية، وتأخر السماح بالعودة، واستمرار الضغوط السياسية، جميعها تعكس أن الملف لا يزال مفتوحاً، وأن مستقبل قيادات المجلس ودورها في جنوب اليمن سيظل مرتبطاً بالقرارات التي ستتخذها الرياض، وبالاتجاه الذي ستسلكه عملية إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في المرحلة المقبلة. فخلف هذه التفاصيل الإجرائية تبدو معركة النفوذ وإعادة ترتيب مراكز القوة هي العامل الأبرز الذي يفسر ما يجري.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية