آخر الأخبار

مأزق "القوة العظمى".. انكسار معادلة الردع الأمريكي أمام إيران

شارك

وبدأت الموازين تنقلب فعلياً مع إسقاط الطائرة المروحية الأمريكية "أباتشي" قرب سواحل عمان، يليه الاستهداف النوعي لمنظومات الدفاع الجوي في القواعد التي تستضيف قوات أمريكية بالمنطقة، حيث أن هذا الرد الإيراني الصارم نقل الرسالة التي حاولت واشنطن جاهدة عدم استيعابها، وهي أن طهران مستعدة للمواجهة الشاملة، وأن سيادتها خط أحمر لا يخضع للمساومة، فهذه الضربات التي تلقتها أمريكا أسفرت عن صدمة لما يسمى "عقيدة الردع" الأمريكية؛ فالغارات الجوية المكثفة التي شنتها القيادة المركزية على السواحل الإيرانية لم تحقق هدفها في إركاع القيادة السياسية في طهران، بل أثبتت عدم جدواها في تغيير الحسابات على الأرض.

ويعزو مراقبون هذا الإخفاق الأمريكي إلى طبيعة "الصراعات الوجودية"، حيث تنقلب الموازين التقليدية للقوة؛ فالأطراف المدججة بالسلاح الكلاسيكي تقع غالباً في فخ الضعف نتيجة حسابات الخوف المعقدة على النفوذ، والسمعة الدولية، والاستقرار الاقتصادي، وتحت وطأة ضغوط الشركاء والرأي العام الداخلي. وفي المقابل، تملك الدول المدافعة عن كيانها أفضلية التحرر من هذه الأعباء، فلا تحركها سوى "إرادة المواجهة الصرفة" التي يصعب إخضاعها بالوسائل العسكرية التقليدية.

التحول المفاجئ في الخطاب الأمريكي، والهروب نحو الحديث عن "تفاهمات ملغاة في اللحظة الأخيرة"، يكشف مأزق "حافة الهاوية" الذي هوت فيه واشنطن. فعندما يرفع رئيس أقوى دولة في العالم سقف التهديد العسكري والاقتصادي إلى حدوده القصوى، مشبهاً الإجراء بـ "الخيار الفنزويلي" لإغلاق الشريان النفطي الإيراني، ثم يتراجع في غضون ساعات مدعياً التوصل لاتفاق، فإن ذلك يمثل تراجعاً اضطرارياً ناتجاً عن حسابات الكلفة الكارثية للحرب الشاملة.

وتدرك واشنطن تماماً أن المضي قدماً في مغامرتها العسكرية يعني إغلاقاً كاملاً ومستداماً لمضيق هرمز، وهو ما سيقود إلى اشتعال أسواق الطاقة العالمية وقفزة جنونية في أسعار النفط قد تقوض الاقتصاد الأمريكي والدولي برُمته، وهي كلفة لا تقوى الإدارة الأمريكية على تحملها.

وتكشف التجارب التاريخية- وفقا لمحللين- أن كفة الحسم في معارك الكرامة والدفاع عن الأرض والسيادة لا تحسمها ترسانات الأسلحة المتطورة ولا أساطيل الطائرات، بقدر ما تحركها غريزة البقاء البشري والذود الذاتي عن الأرض.. حيث أن هذه الجذوة الوجودية قادرة على تحويل القوى المستضعفة -في نظر المخطط الإستراتيجي للمستعمر- إلى جبهات صلبة، وهو درس متكرر دوّنته صفحات التاريخ في مئات المواجهات بين الشعوب الحرة وقوى الهيمنة.

وجاء النفي الإيراني السريع والحاسم لأي موافقة على إبرام اتفاق بصياغة أمريكية، ليعري "الدبلوماسية الصوتية" لواشنطن، إذ أن هذا النفي يؤكد أن الإعلان الأمريكي لم يكن سوى محاولة التفافية لصناعة "انتصار وهمي" وحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام الداخلي والحلفاء الإقليميين، بعد العجز عن إرغام طهران على توقيع صفقة تخدم المصالح الأمريكية وتتجاهل حقوق إيران المشروعة، حيث تكشف المعطيات أن واشنطن تطمح لإبرام اتفاق أحادي الجانب يضمن شروطها، لكنها اصطدمت بصلابة إيرانية ترفض التفاوض تحت وطأة التهديد والحصار البحري.

ويؤكد محللون أن هذا السلوك الهجومي المتردد للرئيس الأمريكي يستدعي إلى الأذهان حقبة انحسار الإمبراطورية الرومانية؛ حين كان الأباطرة يدفعون بجيوشهم لضم حواضر نائية ومقاومة، مدفوعين بنرجسية التوسع رغم إدراكهم الداخلي بتآكل حدود المركز وترهل إدارتهم السياسية، لتتحول تلك الغزوات في النهاية إلى استنزاف داخلي وعبء جيوسياسي خانق، مشيرين إلى أن المفارقة هنا هي أن روما كانت تواجه آنذاك مجتمعات بدائية مشتتة الإمكانات، بينما تصطدم واشنطن اليوم بكيان إقليمي صلب، يتكئ على عقيدة دفاعية متجذرة، ويتحرك بوعي تكنولوجي وقدرات عسكرية حديثة قادرة على بعثرة الأوراق الأمريكية.

ويؤكد المحللون إن هذا التناقض السلوكي الأمريكي- بين النبرة الهجومية صباحاً والبحث عن مخرج دبلوماسي مساءً- يعكس حالة من الإرباك وفقدان البوصلة داخل مراكز صنع القرار في واشنطن، وخاصة بعد أن استنفدت الولايات المتحدة ترسانة عقوباتها الاقتصادية وضغوطها العسكرية دون تفكيك عناصر القوة الإيرانية، ووجدت نفسها أمام خصم يجيد المناورة على حافة الهاوية ويستند إلى تفوق ميداني وقدرة عالية على الرد المباشر.

ويفرض المشهد الحالي حقيقة جديدة، مفادها أن التراجع الأمريكي وإخفاق محاولات فرض "الصفقة المجحفة" يمهدان لرضوخ واشنطن أمام الأمر الواقع، حيث أن التطورات قد أثبتت أن سياسة الاستعلاء العسكري لم تعد كافية لإخضاع الدول المتمسكة بسيادتها وحقها في الدفاع عن النفس، وأن ميزان القوى في المنطقة باتت تصوغه القوة الفعلية والصمود على الأرض، وليس التهديدات التي تتلاشى عند أول اختبار حقيقي للمواجهة.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا