في بلد أنهكته الحرب وتراجعت فيه مؤسسات الدولة، لم يعد السلاح مجرد تقليد اجتماعي، بل تحول إلى جزء أساسي من الواقع اليومي وسلعة رائجة تُشكّل اقتصاداً موازياً. منذ اندلاع الحرب في 2015، لم تتوقف المواجهات العسكرية فقط، بل نشأت شبكات مصالح معقدة، كان أبرزها تجارة السلاح التي وجدت في الفوضى بيئة مثالية للانتشار.
يحاول هذا التحقيق تقديم صورة شاملة عن هذه الظاهرة، من جذورها إلى واقعها الحالي، مروراً بتأثيراتها الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، مع شهادات مواطنين يعيشون هذا المشهد يومياً.
قبل الحرب، كان السلاح موجوداً لكنه محكوم بأعراف وحدود جغرافية، وغالباً ما يتركز في المناطق القبلية. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بشكل كبير، حيث انتشرت أسواق بيع السلاح بشكل علني أو شبه علني، وأصبح الحصول عليه متاحاً لشرائح واسعة دون رقابة حقيقية.
يقول “أبو ناصر”، وهو موظف سابق من تعز:
“في السابق كان السلاح موجود، لكن ليس بهذه السهولة. اليوم يمكن لأي شخص شراءه بسهولة، وهذا أمر مقلق”.
الحرب كانت المحرك الرئيسي لازدهار هذه التجارة. مع تعدد الأطراف واحتياج كل طرف لتعزيز قوته، ارتفع الطلب على السلاح بشكل غير مسبوق، وتحول من وسيلة دفاع إلى أداة نفوذ ومصدر ربح.
يقول أحد الوسطاء:
“السوق لا يهمه من يشتري، المهم الدفع. الحرب خلقت تجارة كبيرة جداً”.
هذا الواقع فتح المجال لشبكات تهريب تمتد من الداخل إلى الخارج، في ظل ضعف الرقابة على المنافذ. بعض هذه الشبكات تعمل بشكل منظم، ما يجعل تجارة السلاح نشاطاً عابراً للحدود.
على سواحل بحر العرب، يقول أحد الصيادين:
“نرى قوارب تتحرك ليلاً بشكل مريب، والجميع يعلم أنها تهريب، لكن لا أحد يستطيع إيقافها”.
في الداخل، لم تعد التجارة مقتصرة على كبار التجار، بل دخلها أفراد عاديون بحثاً عن مصدر دخل. مع تراجع الاقتصاد، وجد كثيرون أنفسهم مضطرين للعمل في بيع السلاح أو الذخيرة.
يقول شاب من صنعاء:
“لم أجد عملاً، واليوم أعمل في بيع الذخيرة. ليس خياراً، بل واقع”.
هذا التحول يعكس خطورة الوضع، حيث أصبح السلاح مصدر رزق، ما يعمّق ارتباط المجتمع به ويصعّب إنهاء الظاهرة مستقبلاً.
تشير تقديرات غير رسمية إلى وجود ملايين قطع السلاح في اليمن، وهو رقم ضخم أدى إلى ارتفاع الجريمة وتحول الخلافات البسيطة إلى مواجهات مسلحة.
يقول “سالم”، سائق أجرة في العاصمة المؤقتة عدن:
“أي مشكلة بسيطة قد تتحول إلى إطلاق نار، لأن السلاح موجود مع الجميع”.
هذا الانتشار أثر أيضاً على النسيج الاجتماعي، حيث تراجعت الثقة بين الناس وارتفع القلق في الحياة اليومية.
تقول “أم محمد” من تعز:
“نعيش في خوف دائم، وأطفالنا لا يخرجون كثيراً”.
الأطفال من أكثر الفئات تأثراً، حيث نشأ جيل في بيئة مليئة بالسلاح.
تقول معلمة:
“الطلاب يتحدثون عن السلاح بشكل طبيعي، وبعضهم يرسم بنادق، وهذا مؤشر خطير”.
في المدن، تغيّر المشهد، وتحولت بعض الأحياء إلى مناطق شبه عسكرية مع انتشار النقاط الأمنية سابقاً، ورغم تراجعها نسبياً، لا يزال السلاح حاضراً بقوة.
يقول مواطن في عدن:
“تقليل النقاط أمر إيجابي، لكن المشكلة الأساسية هي السلاح المنتشر بين الناس”.
كما أصبح السلاح وسيلة للنفوذ الاجتماعي، حيث فرضت القوة نفسها بديلاً عن القانون، وظهرت مراكز قوة خارج إطار الدولة.
يقول ناشط:
“غياب الدولة خلق فراغاً، والسلاح ملأ هذا الفراغ”.
اقتصادياً، أصبحت تجارة السلاح نشاطاً مربحاً، وحقق بعض التجار ثروات كبيرة خلال الحرب، لكن ذلك جاء على حساب المجتمع الذي يدفع الثمن من أمنه واستقراره.
ورغم كل ذلك، هناك رفض واسع لاستمرار هذه الظاهرة، مع مطالب بعودة الدولة وفرض القانون.
يقول “عبدالله”، موظف حكومي:
“نريد دولة تحمينا، وليس أن يحمل كل شخص سلاحه”.
يرى مراقبون أن معالجة هذه المشكلة تبدأ بإنهاء الحرب، باعتبارها المحرك الأساسي لهذه التجارة، إلى جانب إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتشديد الرقابة، وتنفيذ برامج لنزع السلاح.
لكن في ظل استمرار الصراع، تبقى هذه الحلول بعيدة، ما يجعل تجارة السلاح مرشحة للاستمرار.
في المحصلة، أصبح السلاح في اليمن عنواناً لمرحلة معقدة، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، بينما يدفع المجتمع ككل الثمن، بانتظار نهاية الحرب وبداية مرحلة جديدة نحو الاستقرار.
المصدر:
عدن الغد