آخر الأخبار

القواعد الأمريكية في دول الخليج .. دروع مثقوبة وعبء اقتصادي وسياسي

شارك

لقد بُنيت القواعد الأمريكية في الخليج تحت عنوان "الحماية"، لكن الواقع اليوم يضع هذا الادعاء أمام اختبار قاسٍ. فبدلاً من أن تكون هذه القواعد درعاً واقياً، تحولت إلى نقاط استهداف، ما جعل الدول المضيفة في دائرة الخطر، لا خارجه. هذه المفارقة الصادمة خلقت حالة من القلق العميق داخل العواصم الخليجية، التي تجد نفسها فجأة أمام معادلة جديدة: الوجود العسكري الأجنبي لم يعد عامل استقرار، بل قد يكون سبباً مباشراً لعدم الاستقرار.

الصدمة لا تكمن فقط في العجز العسكري الظاهر، بل في انكشاف الفكرة الأساسية التي قامت عليها هذه الشراكة الأمنية. فحين تعجز القوة التي يُفترض أنها "الأقوى عالمياً" عن حماية قواعدها، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: كيف يمكنها حماية دول بأكملها؟ هذا التساؤل لم يعد نظرياً، بل بات حاضراً وواقعاً في الخطاب السياسي والإعلامي وحتى الشعبي.

في هذا السياق، تبرز فرصة تاريخية أمام دول الخليج لإعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية. فالاعتماد المطلق على قوة خارجية أثبت محدوديته، بل وخطورته. والتحرر من هذا النمط لا يعني بالضرورة القطيعة، بل إعادة صياغة العلاقة بما يضمن استقلال القرار الوطني ويقلل من كلفة الارتهان.

اقتصادياً، تمثل هذه القواعد عبئاً كبيراً، سواء من حيث التكاليف المباشرة أو الالتزامات غير المعلنة. كما أنها تُضعف من صورة هذه الدول في محيطها الإقليمي، حيث تُستخدم كدليل على التبعية، ما ينعكس سلباً على قدرتها في لعب أدوار مستقلة ومتوازنة.

أما سياسياً، فإن استمرار هذا الوجود يضع دول الخليج في موقع حساس، يجعلها طرفاً في صراعات ليست بالضرورة جزءاً من مصالحها المباشرة. ومع تصاعد التوترات، تصبح هذه الدول عرضة للضغط والاستهداف، بدون أن تمتلك قرار الحرب أو السلام، خصوصاً حين تنطلق من تلك القواعد طائرات مقاتلة تستهدف دولاً في المنطقة وتتعرض هي للرد داخل أراضي تلك الدول التي يرتفع بعد ذلك صراخها بأنها تتعرض للاعتداء، بينما هو في الحقيقة ليس سوى رد مشروع، كما يحدث الآن في الهجمات الإيرانية على تلك القواعد الأمريكية.

من هنا، فإن اللحظة الراهنة قد تكون مناسبة لفتح نقاش جاد حول بدائل الأمن، بدءاً من تعزيز القدرات الذاتية، مروراً ببناء منظومات إقليمية قائمة على التعاون الحقيقي، وصولاً إلى تبني سياسات خارجية أكثر استقلالية وتوازناً.

إن التحولات الكبرى في التاريخ غالباً ما تبدأ بلحظات صدمة تكشف ما كان مخفياً. وما يحدث اليوم قد يكون من تلك اللحظات التي تدفع بدول الخليج إلى إعادة تعريف أمنها، ليس بوصفه خدمة تُستورد، بل كمسؤولية تُبنى من الداخل، بإرادة مستقلة ورؤية بعيدة عن الارتهان والإملاءات الخارجية.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا