وفي قراءة تحليلية للمشهد الراهن، برزت رؤية البروفيسور الكندي "جيسون جيانغ" (Jason Jiang)، الخبير في الجغرافيا السياسية وصاحب قناة "Predictive History" الشهيرة، الذي حذر في مقابلة مثيرة للجدل مع برنامج "Breaking Points" الأمريكي المستقل، من أن واشنطن وتل أبيب قد انزلقتا في "فخ إيراني" مُحكم سيؤدي إلى أكبر انتكاسة عسكرية واقتصادية للنظام العالمي الغربي منذ عقود.
استنزاف المليارات: المعادلة الصفرية للدفاع الجوي
تشير المعطيات الميدانية خلال الأيام الخمسة الماضية إلى حجم الخسائر الفادحة التي تكبدها الجانب الإسرائيلي، حيث تقدر التقارير الأولية الأضرار المادية في البنية التحتية والقواعد العسكرية بأكثر من 3 مليارات دولار. هذه الخسائر تأتي في وقت تقدم فيه البنتاغون بطلب عاجل للكونجرس لتمويل إضافي بقيمة 20 مليار دولار لدعم المجهود الحربي، مما يطرح تساؤلات حادة حول جدوى الاستمرار في حرب تستهلك ميزانيات ضخمة مقابل سلاح إيراني زهيد التكلفة.
ويوضح "جيانغ" في تحليله الذي عرضه عبر منصة "Breaking Points"، أن القوة الإيرانية تكمن في "حرب الاستنزاف عن بُعد"، حيث تعتمد طهران على أسراب من الطائرات المسيرة الرخيصة التي تجبر الخصم على إطلاق صواريخ اعتراضية تكلف الملايين. وبحسب التحليل، فإن التصدي لصاروخ أو مسيرة إيرانية واحدة قد يتطلب ما يصل إلى 11 صاروخاً دفاعياً أمريكياً، وهي معادلة اقتصادية منهارة تجعل من "عرض العضلات" الأمريكي التقليدي عبئاً لوجستياً ومادياً غير مستدام، خاصة مع تكرار الفشل الميداني السابق في اعتراض مسيرات "أنصار الله" في اليمن.
أمن الطاقة والغذاء: سلاح الجغرافيا والمسيرات
لم تكتفِ إيران بالدفاع، بل نقلت المعركة إلى عصب الاقتصاد العالمي، وذلك بتعطيل وحظر الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف منشآت النفط في كل من الإمارات والسعودية، حيث توقف إنتاج وتكرير النفط في منشآت أرامكو بمنطقة رأس تنورة بعد استهدافها، وكذا استهداف خط أنابيب "حبشان-الفجيرة" في الإمارات بمسيرة انتحارية، والذي أدى لتوقف الإمدادات منذ يومين، وقد أثبت ذلك عملياً أن "الممرات البديلة" التي استثمرت فيها المنطقة لسنوات ليست بمأمن.. ويرى جيانغ أن إيران قادرة على إغلاق مضيق هرمز دون الحاجة لأسطول بحري ضخم، وهو ما يعني خنق 90% من إمدادات الغذاء لدول الخليج ووقف تدفقات الطاقة العالمية.
وهذا السيناريو يضرب قلب الاقتصاد الأمريكي؛ فالدولار والذكاء الاصطناعي يعتمدان بشكل مباشر على استقرار وتدفقات السيولة الناتجة عن "البترودولار"، وانهيار أمن الطاقة يعني بالضرورة انفجار "فقاعة الذكاء الاصطناعي" وانهيار قيمة العملة الأمريكية عالمياً، وهو ما يمهد الطريق لنظام عالمي متعدد الأقطاب.
أوروبا في مهب الريح: فزع في القارة العجوز
مع بدء توقف تدفقات النفط والغاز من الخليج، بدأت موجات من الذعر تجتاح العواصم الأوروبية. فالدول الأوروبية، التي تعاني أصلاً من تبعات أزمة الطاقة السابقة، تجد نفسها اليوم أمام تهديد وجودي لصناعاتها الكبرى، حيث تشير التقارير إلى مخاوف من انهيار كامل لسلاسل التوريد، إذ يعتمد جانب من القطاعات الحيوية والصناعية على الغاز المسال والنفط الخليجي لتعويض النقص في المصادر الأخرى، وهو ما يعني أن توقف التصدير سيترتب عليه دخول أوروبا في شتاء اقتصادي دائم، وهو ما سيؤدي بلا شك إلى اضطرابات اجتماعية واسعة داخل القارة.
الكارثة الإنسانية والتكتيكات الإقليمية
وفي ظل المناخ المشحون، يرى جيانغ أن طهران نجحت في حشد تعاطف واسع يتجاوز الحدود المذهبية، ليتحول الصراع إلى ما يشبه "الحرب الحضارية" التي يشارك فيها حلفاء إيران في اليمن والعراق ولبنان (حزب الله)، مما يضع القوات الأمريكية في مواجهة مباشرة مع بيئة معادية على امتداد آلاف الكيلومترات، حيث تعمل هذه الجبهات بتنسيق عالٍ لاستنزاف مخزون الصواريخ الدفاعية الغربية.
الوقوع في فخ الاستنزاف
إن الحرب التي شنتها واشنطن وتل أبيب تبدو، وفقاً لهذه القراءات التنبؤية، مغامرة غير مدروسة باستقرار الشرق الأوسط وسلاسل التوريد الدولية. فبينما تخطط إيران لحرب استنزاف طويلة الأمد تستنزف الخزينة الأمريكية وتفكك الردع الإسرائيلي، تجد القوى الغربية نفسها عالقة في صراع لا يمكن كسبه بالوسائل التقليدية. إنها مقامرة بأمن الطاقة الدولي قد تنتهي بإعادة رسم خارطة القوى العالمية بشكل جذري.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية