آخر الأخبار

إيران لا تستعجل النصر بل تنهك أقوى جيوش العالم .. هكذا تفكر طهران في الحرب

شارك

تدرك القيادة الإيرانية بواقعية ميزان القوى العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فهي لا تتجاهل التفوق التكنولوجي والعسكري لخصومها، لكنها في الوقت نفسه تفهم حدود هذا التفوق عندما يتحول الصراع إلى حرب طويلة ومكلفة سياسياً واقتصادياً. ومن هنا نشأت عقيدة يمكن وصفها بـ"استراتيجية عدم الهزيمة"، حيث يصبح الهدف الأساسي ليس الانتصار السريع بل منع الخصم من تحقيق نصر حاسم، وإطالة أمد الصراع إلى الحد الذي تتحول فيه تكلفة الحرب إلى عبء على الطرف الأقوى.

ضمن هذا الإطار، لا تُقرأ الهجمات بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ الباليستية باعتبارها مجرد عمليات عسكرية منفصلة، بل كجزء من عملية استنزاف تدريجية. فكل ضربة تفرض على الخصم إنفاق موارد دفاعية باهظة، وتستدعي نشر المزيد من الأنظمة الدفاعية والقوات، وتزيد من حالة التوتر الأمني والسياسي. ومع مرور الوقت، يصبح الحفاظ على حالة التأهب الدائم عبئاً اقتصادياً وعسكرياً، وهو بالضبط ما تراهن عليه طهران: تحويل تفوق الخصم إلى تكلفة مستمرة.

كما أن الزمن نفسه يتحول في هذه الاستراتيجية إلى سلاح. فالمجتمعات الديمقراطية، خصوصاً في الولايات المتحدة، حساسة بطبيعتها للحروب الطويلة التي لا تحقق نتائج واضحة. وقد أظهرت تجارب سابقة أن الرأي العام الأمريكي يميل إلى الضغط على الحكومات عندما تتحول الحروب إلى استنزاف مفتوح بلا نهاية منظورة. لذلك فإن إطالة أمد الصراع لا تهدف فقط إلى إنهاك القدرات العسكرية للخصم، بل إلى خلق ضغط سياسي داخلي عليه يدفع به في النهاية إلى البحث عن مخرج.

إلى جانب البعد العسكري، تدرك إيران أن الاقتصاد العالمي يمثل ساحة ضغط لا تقل أهمية عن ميدان القتال. فالموقع الجغرافي الذي تتحكم فيه، ولا سيما قرب مضيق هرمز، يمنحها قدرة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية. مجرد التلويح بتهديد خطوط الإمداد أو تعطيلها يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما ينعكس مباشرة على اقتصادات الدول الصناعية. ومع كل ارتفاع في أسعار الطاقة، تتزايد الضغوط على الحكومات الغربية لإنهاء التوتر وإعادة الاستقرار إلى الأسواق.

واللافت أن هذه الاستراتيجية تستند أيضاً إلى طبيعة النظام السياسي الإيراني نفسه. فالدولة بُنيت منذ عقود على فكرة الصمود في وجه الضغوط والعقوبات، ما جعلها أكثر استعداداً لتحمل صراع طويل. وحتى في حال تعرض القيادات العسكرية أو السياسية لضربات، فإن بنية النظام لا تعتمد على شخصيات فردية بقدر ما تعتمد على مؤسسات مترابطة قادرة على الاستمرار. لذلك يصبح مجرد بقاء الدولة واستمرارها في العمل تحت الضغط شكلاً من أشكال النجاح الاستراتيجي.

بهذا المعنى، فإن السؤال عن سبب عدم سعي إيران إلى نصر سريع يفترض معياراً لا تتبناه طهران أصلاً. فهي لا تخوض حرباً تقليدية هدفها السيطرة السريعة أو الحسم المباشر، بل تدير صراعاً طويل الأمد يقوم على إنهاك الخصم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. وفي مثل هذا النوع من الحروب لا يكون الانتصار لحظة مفاجئة، بل نتيجة تراكم بطيء للضغوط حتى يصل الطرف الأقوى إلى قناعة بأن استمرار المواجهة لم يعد مجدياً. هكذا يتحول الصبر نفسه إلى سلاح استراتيجي، وتصبح القدرة على الاحتمال عنصر القوة الحقيقي في معادلة الصراع.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا