وبتراجع الإدارة الأمريكية عن التصعيد وقرارها العودة إلى طاولة المفاوضات، تتضح أكثر حالة عدم اليقين التي تعاني منها الولايات المتحدة تجاه هذه الحرب التي قد تكون بمثابة إشعال فتيل برميل بارود قد تشمل نيرانه المنطقة ككل، وهو ما جعل قادة كبار في الإدارة الأمريكية يراجعون مع ترامب قرار الذهاب إلى هذه الحرب التي قد تكون نتائجها كارثية على أمريكا واقتصادها ومصالحها وحلفائها في المنطقة، ناهيك عن التأثيرات والارتدادات التي قد تلحق بأسواق التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وفي هذا الصدد نقل "أكسيوس" عن مصادر مطّلعة على المناقشات الداخلية قولها إن رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، ظلّ يقدّم للرئيس دونالد ترامب وكبار المسؤولين نصائح تفيد بأن أي حملة عسكرية ضد إيران قد تنطوي على مخاطر كبيرة، خصوصا احتمال الانجرار إلى صراع طويل الأمد".
في الوقت الذي كانت تتحرك فيه القاذفات الأمريكية الثقيلة من طراز B-52 نحو قواعدها المتقدمة في الشرق الأوسط، وتشق مجموعات قتالية من حاملات الطائرات عباب بحر العرب كان سؤال وجودي يرتسم في الأفق متجاوزا ضجيج المحركات: هل تمتلك الولايات المتحدة اليوم "بوصلة حرب" أم أنها تندفع نحو مواجهة كبرى مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية دون خارطة طريق؟
المشهد الراهن يضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام اختبار استراتيجي هو الأصعب منذ عقود، حيث تبدو واشنطن في تحركها الحالي لشن عمل عسكري ضد طهران فاقدة للكثير من نقاط القوة التقليدية التي كانت تشكل العمود الفقري لانتصاراتها في حروب الخليج أو حتى في التدخلات العسكرية الواسعة في أفغانستان، وعلى رأس هذه المفقودات، يبرز غياب "الهدف الواضح والمحدد"، وهو العامل الذي يصفه المحلل الاستراتيجي ديفيد سانجر في صحيفة "نيويورك تايمز" بلغة وحاسمة، مشيراً إلى أن واشنطن تتهيأ لعمل عسكري كبير دون أن تملك القدرة على شرح "لماذا الآن؟" وما هي الغاية النهائية من إشعال فتيل الجبهة؟.
ويؤكد المحللون أن هذه الحالة ليست مجرد تعثر تكتيكي، بل هي "أزمة سردية" عميقة، فحين قررت إدارة جورج بوش الابن غزو العراق عام 2003، سخرت الآلة الإعلامية والسياسية لتقديم مبررات – ثبت بطلانها لاحقاً – لكنها كانت كافية حينها لبناء سردية متماسكة أمام الداخل الأمريكي والمجتمع الدولي. أما اليوم، فإن إدارة ترامب تكتفي بالغموض، وتترك الباب موارباً أمام كل الاحتمالات، من تدمير المنشآت النووية إلى استهداف القدرات الصاروخية، وصولاً إلى محاولة تقويض النظام أو حماية الاحتجاجات، دون أن تُلزم نفسها بتعريف محدد لـ "النصر"، وهذا الغموض، الذي قد يراه البعض أداة للمناورة السياسية وتفادي قيود الكونغرس، يكشف في جوهره عن قرار لم ينضج سياسياً بعد، فالحروب التي تبدأ بلا تعريف للنهاية هي الأخطر على مكانة الدول العظمى.
وعلى مستوى العقيدة العسكرية، يبدو أن إدارة ترامب كانت بصدد كسر "عقيدة باول" التي صاغها كولن باول بعد مرارة هزيمة فيتنام، والتي تنص صراحة على عدم دخول أي حرب إلا بوجود هدف سياسي واضح، وتأييد شعبي، وقوة ساحقة، وخطة خروج محددة، وهو ما تفتقده التحركات الأمريكية الراهنة في التصعيد ضد إيران؛ يضاف إلى ذلك افتقاد الإدارة الأمريكية لأهم أوراقها، وهو التحرك ضمن تحالف دولي ، بل إن التقارير الدبلوماسية تشير إلى تحفظات بريطانية وأوروبية حادة حيال استخدام القواعد العسكرية الحساسة في هجوم غير معلوم العواقب، وهذا الانقسام الأطلسي، يقابله جدل داخلي أمريكي محتدم، حيث لم يعد الشارع أو المؤسسات التشريعية مستعدة لشيك على بياض لتمويل "حروب أبدية" جديدة.
وفي المقابل، فإن الخصم في هذه المواجهة ليس هو "عراق 2003" المنهك بالحصار، حيث أن أيران استثمرت خلال سنوات طويلة في تحصين جبهتها الدفاعية، التي تجعل من أي ضربة محدودة فعلاً غير مؤثر، ومن أي ضربة واسعة باباً لردود فعل متسلسلة لا يمكن ضبط إيقاعها، وما يعمق المأزق الأمريكي هو التقارير العسكرية التي تتحدث عن امتلاك طهران لصواريخ فرط صوتية متقدمة وأسلحة نوعية قادرة على تحويل حاملات الطائرات– أيقونة الهيبة الأمريكية – إلى أهداف هشة.
وتستحضر الدوائر العسكرية في البنتاغون بقلق ما واجهته السفن الأمريكية في البحر الأحمر خلال المواجهات مع قوات صنعاء، حيث أثبتت الهجمات المتزامنة بالمسيرات والصواريخ الباليستية والغواصات الانتحارية قدرتها على كسر أنظمة الدفاع الأكثر تطوراً، وهو ما يضع "هيبة الردع" الأمريكية على المحك؛ فإذا ضربت واشنطن ضربة محدودة فُسرت ضعفاً، وإذا وسعت النطاق دخلت في استنزاف لا تملك مفاتيح إنهاءه.
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية