آخر الأخبار

الرياض وأبوظبي : خصام العائلة داخل بيت التطبيع

شارك

تاريخياً، قدّمت المملكة العربية السعودية نفسها بوصفها داعماً للقضية الفلسطينية سياسياً ومالياً، وطرحت مبادرات مثل مبادرة السلام العربية عام 2002. إلا أن هذا المسار ظل منضبطاً بسقف التحالفات الدولية للمملكة، وعلى رأسها شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والتي شكلت الإطار الحاكم لسياستها الإقليمية.

في السنوات الأخيرة، ومع تسارع مسار التطبيع العلني لبعض الدول العربية مع إسرائيل، بدا الموقف السعودي أقرب إلى "التطبيع الصامت" أو المؤجل، بدون أن يصل إلى القطيعة أو المواجهة. لم تشهد السياسات السعودية خطوات عملية تُترجم إلى ضغط فعلي على إسرائيل، كما لم تتحول الرياض إلى مركز دعم سياسي أو ميداني لفصائل المقاومة الفلسطينية. وفي الداخل، بقيت مساحة التعبير الشعبي المؤيد للمقاومة محدودة ومحكومة بضوابط صارمة.

من هنا، فإن توجيه انتقادات إعلامية للإمارات لا يكفي لإعادة تعريف موقع السعودية ضمن خريطة الصراع مع إسرائيل، ما لم يصاحبه تحوّل بنيوي في طبيعة التحالفات والسياسات.

المنطق نفسه ينطبق على الملف اليمني. فمنذ اندلاع الحرب عام 2015، قادت السعودية تحالفاً عسكرياً تحت شعار دعم "الشرعية" ومنع انهيار الدولة اليمنية. غير أن مسار الأحداث أظهر تشابكاً بين هدف استعادة الدولة وبين إعادة تشكيل موازين القوى داخل اليمن بما يخدم المصالح الأمنية والسياسية للرياض.

برز في الجنوب اليمني كيان المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 بدعم إماراتي واضح، وطرح مشروعاً انفصالياً يتناقض مع خطاب "وحدة اليمن". ورغم التوترات بين الرياض وأبوظبي حول إدارة الجنوب، فإن التعامل السعودي مع هذه الوقائع اتسم بالبراغماتية أكثر من الحسم، عبر اتفاقات مرحلية وترتيبات تقاسم نفوذ، بدلاً من فرض رؤية واضحة لوحدة الدولة اليمنية.

هذا السلوك يعزز الانطباع بأن أولوية السعودية في اليمن لم تكن بالضرورة الحفاظ على وحدة البلاد كقيمة سياسية بحد ذاتها، بل ضمان بيئة استراتيجية مستقرة على حدودها الجنوبية، حتى وإن اقتضى ذلك قبول صيغ لامركزية واسعة أو ترتيبات أمر واقع.

التباينات السعودية-الإماراتية لا يمكن إنكارها؛ فهي تتعلق بالموانئ، والممرات البحرية، والنفوذ في القرن الإفريقي، وأسواق الطاقة، وحتى بصورة كل دولة في الغرب. لكن هذه التباينات تجري داخل إطار تحالف أوسع يربط الطرفين بالولايات المتحدة ويضع سقفاً عاماً لسياستهما تجاه إسرائيل.

وعليه، فإن تصوير الخلاف الإعلامي كأنه انقسام جذري بين "محور مقاومة" و"محور تطبيع" يفتقر إلى الأدلة العملية. فالمؤشرات الكبرى- طبيعة التحالفات، والخيارات الاقتصادية، والتنسيق الأمني الإقليمي- تشير إلى أن الطرفين يتحركان ضمن دائرة استراتيجية واحدة، وإن تنافسا على قيادة المشهد أو توزيع الأدوار.

قد تحمل بعض اللحظات الإعلامية نبرة تصعيدية توحي بتغيرات عميقة، غير أن التحولات الحقيقية في السياسة الخارجية تُقاس بالقرارات المكلفة، لا بالخطاب. التحول الجذري في الموقف من إسرائيل، على سبيل المثال، يعني إعادة تعريف العلاقة مع واشنطن، وتغيير أولويات الأمن الإقليمي، وتحمّل تبعات اقتصادية وسياسية واسعة. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات على استعداد سعودي لخوض هذا المسار.

وبالمثل، فإن الالتزام بوحدة اليمن يتطلب رؤية واضحة لبناء دولة يمنية جامعة ومستقلة القرار، وهو مسار يتجاوز إدارة التوازنات بين القوى المحلية إلى دعم مشروع وطني شامل.

الانتقادات السعودية للإمارات في ملف العلاقة مع إسرائيل تبدو أقرب إلى تعبير عن تنافس إقليمي على النفوذ والصورة القيادية، لا إلى انحياز استراتيجي جديد لصالح فلسطين. كما أن إدارة الملف اليمني تعكس أولوية الأمن والمصالح على حساب خطاب وحدة الدولة.

في ضوء ذلك، يصعب اعتبار النظام السعودي نصيراً حاسماً لفلسطين أو ضامناً لوحدة اليمن، ما دامت سياساته تتحرك ضمن الإطار الاستراتيجي ذاته الذي يحكم علاقاته الدولية والإقليمية. أما الرهان على تغير جذري في هذا النهج، فيبقى مرهوناً بتحولات أعمق في بنية القرار السياسي ومحدداته، لا بمجرد سجالات إعلامية عابرة.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا