آخر الأخبار

مليارات سعودية لإدامة الانقسام وتفكيك اليمن تحت شعار الدعم

شارك

تُظهر الأرقام التي أوردتها رويترز- مليارات الدولارات المخصصة للرواتب والدعم والطاقة- أن السعودية لا تضخ أموالها في اليمن بدافع الإنقاذ أو الاستقرار بقدر ما تستخدم المال كوسيلة شراء ولاءات وإعادة هندسة مراكز القوة. فتكفّل الرياض برواتب المقاتلين الذين كانت تموّلهم أبو ظبي لا يعني فقط ملء فراغ مالي، بل يعني عملياً نقل تبعية هذه القوات من راعٍ إقليمي إلى آخر، وتحويلها إلى أدوات ضغط بيد المموِّل الجديد.

هذا السلوك يعكس منطقاً استعمارياً قديماً بثوب حديث: من يدفع، يقرّر. وبهذا تصبح مؤسسات الدولة اليمنية، المدنية والعسكرية، رهينة التدفقات المالية السعودية، فاقدة لأي استقلال حقيقي في القرار.

أحد أخطر أوجه الدور السعودي يتمثل في استثمار الانقسامات الداخلية، لا السعي إلى رأبها. فالتلويح للانفصاليين الجنوبيين بإمكانية إقامة دولة مستقلة، بعد حسم الصراع مع صنعاء، ليس سوى مناورة سياسية تهدف إلى إبقاء هذه القوى في حالة انتظار وارتهان، واستخدامها كورقة ضغط عند الحاجة. السعودية هنا لا تلتزم بوحدة اليمن ولا بانفصاله، بل تلتزم فقط بما يخدم لحظتها التفاوضية مع الحوثيين.

بهذا المعنى، تتحول القضية الجنوبية من ملف وطني معقّد إلى جزرة سياسية تُمنح أو تُسحب بحسب مستوى الطاعة والانسجام مع الرغبة السعودية، وهو ما يكرّس هشاشة النسيج الوطني ويؤجج الصراعات بدلاً من حلها.

لا يقتصر السلوك السعودي على محاولة احتواء الحوثيين أو الضغط عليهم، بل يمتد إلى إخضاع الحلفاء أنفسهم. مصادرة هواتف وفد المجلس الانتقالي، احتجازهم، استجوابهم، ثم إغراقهم بالامتيازات والفنادق الفاخرة، يكشف نمطاً واضحاً: العصا أولاً، ثم الجزرة. الرسالة هنا لا لبس فيها: من يخرج عن الخط المرسوم يُعاقَب، ومن يلتزم يُكافَأ.

الأمر نفسه ينسحب على إقالة واحتجاز وزير الدفاع التابع لحكومة الشرعية، وفق روايات المسؤولين، لمجرد عدم انسجامه مع الحسابات السعودية. وهذا مؤشر خطير على أن القرار السيادي اليمني بات خاضعاً لإرادة خارجية تتحكم في التعيين والإقالة، وتحدّد من هو الخائن ومن هو "المرضيّ عنه"، رغم أن هذا هو أسلوب دول التحالف منذ بدء الحرب على اليمن.

تسعى الرياض، بحسب تقرير رويترز، إلى تهدئة الصراع مع الحوثيين بهدنة هشة، لا انطلاقاً من قناعة بسلام مستدام، بل بدافع تقليل المخاطر الأمنية على أراضيها، خصوصاً بعد الهجمات التي طالت منشآت الطاقة. في الوقت نفسه، تعمل على إعادة ترتيب البيت المناهض للحوثيين ليكون أكثر خضوعاً وتماسكاً تحت قيادتها. هذه الازدواجية تعني أن اليمن يُستخدم كساحة إدارة مخاطر سعودية، لا كبلد يستحق حلاً عادلاً وشاملاً.

الخلاصة التي يمكن الخروج بها هي أن السعودية لا تسعى إلى يمن قوي ومستقل، بل إلى يمن مُدار، ضعيف ومسلوب القرار، متعدد الولاءات، يسهل التحكم به عبر المال والسياسة والأمن.

إن أخطر ما في هذه الاستراتيجية السعودية ليس فقط تكلفتها المالية، بل كلفتها التاريخية على اليمن: تكريس التبعية، تعميق الانقسامات، وإجهاض أي فرصة حقيقية لبناء دولة يمنية ذات سيادة. وفي هذا السياق، تبدو النوايا السعودية أبعد ما تكون عن الدعم وأقرب ما تكون إلى مشروع هيمنة طويلة الأمد، يُدار بهدوء، ويُغلَّف بخطاب الاستقرار، فيما جوهره السيطرة والتحكم.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا