آخر الأخبار

التهويل بالحرب على إيران : من يخدم ومن سيدفع الثمن ؟

شارك

هذا الخطاب لا يمكن فصله عن مشروع أوسع يستهدف إعادة تشكيل المنطقة وفق ميزان قوى يخدم الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، عبر إخضاع الدول العربية، وتحييد إرادة شعوبها، وتحويلها إلى ساحات نفوذ خاضعة سياسياً وأمنياً. فالتلويح بالحرب على إيران لا ينطلق فقط من هواجس أمنية، بل من إدراك عميق لدى هذه القوى بأن إيران تمثل عقدة مركزية في وجه هذا المشروع.

على مدار أربعة عقود، شكّل الحضور الإيراني في الإقليم عاملاً مؤثراً في تعطيل أو تأجيل تنفيذ العديد من المخططات الأمريكية الإسرائيلية. فقد بنت إيران قوتها العسكرية والسياسية على أساس الردع والدفاع، وربطت نفوذها الإقليمي بدعم قضايا تعتبرها مركزية في الوعي العربي والإسلامي، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. هذا الواقع جعل الكيان الإسرائيلي يعيش حالة قلق استراتيجي دائم، وأفقده القدرة على فرض إرادته الإقليمية بسهولة.

في المقابل، شهدت السنوات الأخيرة تحولات لافتة في مواقف بعض الأنظمة العربية، حيث انتقلت من موقع الخصومة أو التحفظ إلى موقع الشراكة العلنية مع الكيان الإسرائيلي، سياسياً وأمنياً وإعلامياً. هذا التحول وفّر غطاءً إقليمياً نادراً لأي مغامرة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية، وساهم في كسر أحد أهم المحرمات السياسية في الوعي العربي، وهو اعتبار إسرائيل عدواً مركزياً.

غير أن أخطر ما في هذا المسار لا يكمن في نتائجه على إيران بقدر ما يكمن في انعكاساته على الشعوب العربية نفسها. فأي حرب استراتيجية كبرى في المنطقة لن تكون حرباً نظيفة أو محدودة، بل ستفتح أبواب الفوضى والدمار، وستمتد نيرانها لتطال الاقتصادات الهشة، والبنى الاجتماعية المنهكة، والدول التي تعاني أصلاً من أزمات داخلية عميقة. وفي مثل هذا السيناريو، ستكون الشعوب العربية هي الخاسر الأكبر، بينما تملك القوى الكبرى أدوات الحماية والانسحاب وإدارة الخسائر.

أما إيران، وبغضّ النظر عن الموقف منها، فقد بنت منظومتها الدفاعية والعسكرية على افتراض المواجهة الدائمة. وهي ترى في قدرتها على الصمود والردع جزءاً من عقيدتها السياسية والأيديولوجية، ما يجعل إخضاعها عسكرياً مهمة شديدة الكلفة وغير مضمونة النتائج.

كان من المفترض أن تدرك دول المنطقة أن مصلحتها الحقيقية تكمن في خفض منسوب الصراع، وبناء منظومة تضامن إقليمي تحمي استقلال القرار السياسي، وتمنع تحويل المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات دولية. لكن ما يجري اليوم هو العكس تماماً: انخراط متزايد في مشاريع خارجية، وبيع علني لعناصر القوة العربية في سوق التحالفات المشروطة.

في المحصلة، لا تبدو الحرب خياراً يخدم شعوب المنطقة، بقدر ما تبدو أداة ضغط وترويض وإعادة هندسة للواقع الإقليمي. وبينما تتقاذف الأنظمة خطابات التخويف والتحريض، يبقى السؤال الجوهري: من يدفع الثمن؟ ومن يملك ترف النجاة؟


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا