هذا التحول لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع التي تشهدها المنطقة، ولا عن تصاعد التنافس الإقليمي على موقع القيادة والتأثير، خصوصًا مع إعادة تشكيل التحالفات وتراجع بعض الأدوار التقليدية وصعود مشاريع سياسية واقتصادية جديدة.
على مدى سنوات، حرصت الرياض وأبوظبي على إدارة خلافاتهما بعيدًا عن الأضواء، مستندتين إلى شراكة أمنية واقتصادية عميقة، وإلى إدراك مشترك بأن كلفة الصدام العلني أعلى من فوائده. غير أن هذا النمط يبدو اليوم في طور التآكل، مع انتقال المواجهة إلى ساحات الإعلام الغربي ومراكز صنع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تُصاغ السياسات، وتُبنى التصورات، وتُحدد اتجاهات الاستثمار طويلة الأمد.
وفق ما أورده التقرير، فإن الخلاف لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر حول ملفات إقليمية محددة، بل بات صراعًا على صورة السعودية نفسها في الغرب، وعلى مشروعها الإصلاحي الذي تسوّقه الرياض بوصفه حجر الزاوية في تحوّلها من دولة ريعية تقليدية إلى قوة إقليمية ذات اقتصاد متنوع ونفوذ سياسي مستقل.
استهداف هذا المشروع، أو التشكيك في قابليته للحياة، يعني عمليًا ضرب الأساس الذي تقوم عليه طموحات السعودية في العقدين القادمين.
اللافت في الرواية المطروحة أن المواجهة لا تأخذ شكل هجوم مباشر أو خطاب عدائي صريح، بل تُدار عبر أدوات أكثر نعومة ودهاء، من خلال تغذية سرديات نقدية تبدو في ظاهرها نابعة من مراكز أبحاث أو صحافة مستقلة، لكنها تصب في اتجاه واحد.
هذا الأسلوب يعكس فهمًا عميقًا لكيفية عمل الرأي العام الغربي، حيث يكون للتراكم البطيء للتشكيك أثر أكبر من الضربات الصاخبة قصيرة الأجل.
توقيت بروز هذه السرديات ليس تفصيلاً عابرًا. فالتقارير والمقالات التي تشكك في «رؤية السعودية» تأتي، بحسب التقرير، متزامنة مع تصاعد الخلافات الثنائية، ما يعزز فرضية أن الأمر يتجاوز النقد الموضوعي إلى توظيف سياسي منظم. هنا، لا يكون الهدف إقناع الجمهور الغربي فحسب، بل التأثير على صناع القرار والمستثمرين، ودفعهم إلى إعادة حساباتهم تجاه السعودية بوصفها شريكًا طويل الأمد.
من منظور استراتيجي، يُفهم هذا المسار في سياق تنافس خليجي أوسع على جذب الاستثمارات، واستقطاب الدعم السياسي الغربي، وتثبيت موقع كل دولة بوصفها الشريك الأكثر موثوقية واستقرارًا.
في هذا الإطار، فإن إبطاء الحراك الدولي للرياض، أو التشكيك في قدرتها على تنفيذ إصلاحات عميقة، يمنح منافسيها هامشًا أوسع للتحرك وملء الفراغ، خصوصًا في ظل بيئة إقليمية تتسم بتعدد الأزمات وارتفاع منسوب المخاطر.
لكن هذا النوع من الصراع يحمل في طياته مخاطر تتجاوز أطرافه المباشرين. فتح الخلافات الخليجية على الغرب، وتحويلها إلى مادة سجال إعلامي وسياسي، يهدد بتدويل الانقسامات الداخلية، وجعلها جزءًا من حسابات القوى الكبرى في تعاملها مع المنطقة. وهذا بدوره قد يضعف القدرة التفاوضية الجماعية لدول الخليج، ويجعل كل طرف أكثر عرضة للضغط والابتزاز السياسي.
كما أن «حرب السرديات» بطبيعتها صعبة الضبط. فهي لا تُدار عبر اتفاقات مكتوبة أو خطوط اتصال واضحة، بل عبر شبكات معقدة من العلاقات والمصالح والرسائل غير المباشرة. ومع مرور الوقت، قد تتجاوز أهدافها الأصلية، وتنتج عنها تداعيات غير محسوبة، سواء على صورة المنطقة ككل أو على استقرار علاقات طالما قُدّمت بوصفها نموذجًا للتكامل الخليجي.
في المحصلة، ما يكشفه تقرير «دارك بوكس» لا يمكن قراءته كحادثة إعلامية معزولة، بل كمؤشر على انتقال الخلاف السعودي الإماراتي إلى مرحلة أكثر تعقيدًا وحساسية. مرحلة تُدار فيها المعارك خارج الإقليم، وبأدوات ناعمة، لكن بآثار استراتيجية بعيدة المدى.
استمرار هذا المسار يعني أن الصراع لم يعد يدور فقط حول النفوذ داخل الخليج، بل حول من يملك القدرة على صياغة الرواية المقبولة دوليًا عن مستقبل المنطقة واتجاهاتها. وهذا، في ميزان السياسة الدولية، لا يقل خطورة عن أي صراع عسكري مباشر.
- نقلا عن عرب جورنال
المصدر:
البوابة الإخبارية اليمنية