آخر الأخبار

كيف التهمت الإمارات البحر اليمني وجففت مصادر العيش في سقطرى ؟

شارك

تحقيق استقصائي، مدعوم من مركز بوليتزر، تداولته وسائل إعلام محلية، كشف بالأرقام والوثائق كيف تحولت مصانع طحن الأسماك– التي أُنشئت نظرياً لمعالجة المخلفات– إلى أداة رئيسية لنهب مخزون الأسماك الصغيرة، وعلى رأسها السردين، العمود الفقري للأمن الغذائي والدخل اليومي للصيادين. هذه النتائج تكتسب خطورة مضاعفة عند إسقاطها على أرخبيل سقطرى، حيث تمثل الثروة السمكية المورد الاقتصادي الأول، بل شبه الوحيد، لسكان الجزيرة.

تشير معطيات التحقيق إلى أن شركة إماراتية واحدة سيطرت على أربعة من أصل عشرة مصانع طحن على السواحل اليمنية الشرقية. هذا التركيز الاحتكاري لا يعني فقط سيطرة على الإنتاج، بل تحكم في سلسلة التوريد بالكامل: من شراء الأسماك بأسعار تفرض على الصيادين، ثم تحويلها إلى دقيق وزيت سمك يُصدّر للخارج، فيما الساحل اليمني، وسقطرى تحديداً، يواجه شحاً متزايداً في الأسماك وارتفاعاً في البطالة والفقر.

في سقطرى، حيث يعتمد آلاف الصيادين على صيد الأسماك الصغيرة، يؤدي استنزاف السردين إلى ضرب دورة الحياة البحرية بأكملها. فهذه الأسماك ليست فقط غذاءً للإنسان، بل حلقة أساسية في السلسلة الغذائية البحرية. وعندما تُسحب بكميات صناعية تصل إلى آلاف الأطنان يومياً لصالح مصانع الطحن، فإن النتيجة الحتمية هي تراجع مخزون الأسماك الأكبر، وانهيار تدريجي للنظام البيئي.

يحذر خبراء البيئة البحرية من أن ما يجري ليس مجرد "صيد جائر"، بل عملية تصحر بحري حقيقية. استخدام وسائل صيد مدمرة، وسحب الأسماك في مراحلها المبكرة قبل التكاثر، يعني أن البحر يفقد قدرته على التعويض الطبيعي. في بيئة هشة وفريدة مثل سقطرى، المصنفة عالمياً كمحمية طبيعية، تصبح هذه الممارسات جريمة بيئية مضاعفة، تهدد بفقدان دائم للتوازن البيئي، وتنسف أي حديث عن تنمية أو استدامة.

ما يفاقم الكارثة هو الغياب شبه الكامل لحكومة الشرعية عن إدارة هذا الملف. حيث وثق التحقيق تضارباً صارخاً في مواقف الجهات الرسمية بين قرارات بإيقاف مصانع الطحن، وأخرى تسمح لها بالاستمرار تحت لافتة "تشجيع الاستثمار". هذا التناقض وفّر مظلة مثالية للشركات المتنفذة، وفي مُقَدَّمِها الشركات الإماراتية، لمواصلة العمل بالمخالفة لتراخيصها، وتشغيل طاقات إنتاجية تفوق بكثير القدرة الطبيعية للبحر اليمني.

في سقطرى، حيث النفوذ الإماراتي السياسي والأمني واضح، كانت حماية الصيادين المحليين شبه معدومة. فالصياد البسيط يجد نفسه محاصراً: بحرٌ يُنهب، وسوقٌ تسيطر عليه شركات كبرى، وسلطة عاجزة أو متواطئة.

الأرقام التي كشفها التحقيق عن صادرات دقيق وزيت السمك– عشرات الآلاف من الأطنان بعشرات ملايين الدولارات– تطرح سؤالاً جوهرياً: من المستفيد؟ بالتأكيد ليس الصياد السقطري، ولا المجتمعات الساحلية اليمنية، ولا الخزينة العامة. المستفيد هو نموذج اقتصادي قائم على تحويل الغذاء المحلي إلى مادة خام للتصدير، بينما يُترك السكان الأصليون يواجهون الفقر وغياب البدائل.

ما يحدث في سقطرى ليس معزولاً عن المشهد العام للثروة السمكية في اليمن، لكنه يمثل أكثر صوره قسوة. فالجزيرة، التي كان يمكن أن تكون نموذجاً للاقتصاد المستدام القائم على الصيد التقليدي والسياحة البيئية، تُدفع اليوم نحو مستقبل غامض بفعل العبث المنظم بالبحر.

إن كشف هذا العبث، وفي مُقَدَّمِه الدور الإماراتي عبر شركاتها ونفوذها، ليس استهدافاً سياسياً بقدر ما هو دفاع عن حق اليمنيين– وسكان سقطرى على وجه الخصوص– في موردهم الأول للحياة. فبدون تدخل عاجل لوقف استنزاف الأسماك، وتنظيم الصيد، ومحاسبة المتنفذين، فإن البحر الذي أطعم سقطرى لقرون قد يتحول إلى شاهد صامت على ضياعها.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا