لم يأتِ اختيار بريطانيا كأول محطة دبلوماسية لرئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي عقب نجاح عملية استلام المعسكرات في إطار المجاملة البروتوكولية أو باعتباره حلقة ضمن لقاءات مجدولة سلفاً مع رعاة المبادرة الخليجية ونقل السلطة، بل عكس إدراكاً سياسياً عميقاً لطبيعة إدارة الصراع اليمني على المستوى الدولي، حيث تتوازى المعركة الدبلوماسية في أهميتها مع التحركات الميدانية، ولا تنفصل عنها.
اللقاء الذي عقدة اليوم رئيس مجلس القيادة الرئاسي مع السفيرة البريطانية بالرياض , يمثل لقاء حاسما في مسار القضية اليمنية كون بريطانيا تمثل حجر الزاوية في التعاطي الدولي مع الملف اليمني، كونها صاحبة القلم في مجلس الأمن، والمسؤولة عن صياغة مشاريع القرارات والبيانات الأممية ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 2216. ومن هذا المنطلق، فإن إبلاغ لندن أولاً بموقف الحكومة اليمنية يعكس سعياً مبكراً لتأطير أي تطورات ميدانية أو سياسية قادمة ضمن مظلة الشرعية الدولية، ومنع تشويهها أو إخضاعها لتفسيرات مضادة داخل أروقة الأمم المتحدة.
وأضاف رئيس تحرير موقع مأرب برس معلقا على لقاء العليمي بالحكومة البريطانية في مقال نشره اليوم الموقع بقوله أن "توقيت لقاء اليوم يحمل دلالة سياسية واضحة. فاللقاء جاء بعد نجاح عملية استلام المعسكرات، وهي خطوة داخلية حساسة كان من الممكن أن تُقرأ خارجياً كصراع نفوذ بين مكونات الشرعية. غير أن نقل هذه التطورات مباشرة إلى مركز صناعة القرار الدولي يهدف إلى التأكيد بأن ما جرى يمثل إجراءً تصحيحياً لإعادة بناء المؤسسة العسكرية، وليس انحرافاً عن مسار الدولة أو العملية السياسية.
كما أن اللغة الحاسمة التي استخدمها العليمي مع الحكومة البريطانية، يؤكد أن الحكومة ماضية في إنهاء الانقلاب الحوثي سلماً أو حرباً، ويعكس تحولاً في الخطاب الرسمي، من الاكتفاء بإدارة الأزمة إلى إدارة الصراع. وهذه الرسالة لا تستهدف لندن وحدها، بل تمتد إلى الحوثيين وداعميهم الإقليميين، وفي مقدمتهم النظام الإيراني، مفادها أن خيار السلام لم يعد مفتوحاً بلا سقف زمني أو كلفة سياسية.
كما يكتسب اللقاء بعداً إضافياً نظراً لتعامل بريطانيا مع الملف اليمني من زاوية القانون الدولي والشرعية الدستورية. فإعادة تثبيت الرواية اليمنية أمام دولة تُعد مرجعاً في الخطاب القانوني والدبلوماسي الدولي، يمنح الحكومة الشرعية هامش حركة أوسع في حال الانتقال إلى خيارات أكثر حزماً، سواء سياسياً أو عسكرياً.
في هذا السياق، يأتي تأكيد رئيس مجلس القيادة الرئاسي للحكومة البريطانية أن إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا هو جزء من معركة استعادة الدولة، لا كخطوة تنظيمية فحسب. فاللجنة تمثل محاولة لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني، ووضعه تحت مظلة مؤسسات الدولة الرسمية، بما يبعث برسالة تطمين للمجتمع الدولي بأن الشرعية ما تزال متمسكة بمشروع الدولة، وليست رهينة التشكيلات أو الولاءات المتعددة.
ويأتي هذا التحول بعد عقد كامل من فشل المسار السياسي مع مليشيات الحوثي، وتمردها المتكرر على القرارات الدولية، ورفضها الانخراط الجاد في أي تسوية سلمية. وهو ما يفسر انتقال الخطاب الرسمي من مناشدة المجتمع الدولي إلى تحميله مسؤولية أخلاقية وسياسية في دعم خطوات الحكومة اليمنية.
خلاصة القول، إن التحرك الدبلوماسي نحو بريطانيا يعكس محاولة واعية لربط الحسم العسكري القادم بشرعية دولية مسبقة، وتوجيه رسالة واضحة بأن استعادة الدولة اليمنية لم تعد خياراً مؤجلاً، بل مساراً مفتوحاً بكل أدواته، في انتظار موقف دولي يواكب هذا التحول ولا يقف عائقاً أمامه.
المصدر:
مأرب برس