آخر الأخبار

عدن رهينة المشاريع الإقليمية.. إسقاط الانتقالي لا يعني نهاية الوصاية

شارك

الاجتماع جاء بعد انتشار قوات درع الوطن وتثبيت السيطرة الأمنية في عدن، وهو ما حدّ من قدرة هذه الأطراف على الفعل الميداني، ودفع بها نحو التصعيد السياسي والإعلامي. البيان الصادر عنهم اتسم بحدة غير مسبوقة، لا سيما في لهجته تجاه السعودية، التي اتهمها بممارسة الإكراه والضغط واحتجاز القيادات. غير أن هذا التصعيد، رغم ما يحمله من دلالات غضب وارتباك، يكشف أيضاً عمق الأزمة التي تعيشها هذه المكونات بعد انكشاف هشاشة الأساس الذي قامت عليه.

في المقابل، فإن قراءة المشهد بموضوعية تقتضي عدم اختزاله في ثنائية "تمرد" مقابل "شرعية"، ولا في تصوير السعودية باعتبارها طرفاً مغايراً كلياً للمسار الذي سلكته الإمارات سابقاً. فكما استخدمت أبوظبي المجلس الانتقالي لسنوات كأداة لتوسيع نفوذها وبسط سيطرتها على الموانئ والسواحل اليمنية، تبدو الرياض اليوم ماضية في نهج إدارة النفوذ عبر مكونات محلية تخضع لإشرافها، بما يخدم أولوياتها الأمنية والسياسية، وليس أبداً مسار بناء دولة وطنية مستقلة القرار.

الصمت الإماراتي إزاء حل المجلس الانتقالي، وحتى إزاء بيانات بقاياه التصعيدية، ليس موقفاً حيادياً بقدر ما هو إعلان غير مباشر عن انتهاء صلاحية أداة استُهلكت. فقد تخلت أبوظبي عن "مولودها غير الشرعي" عندما أدركت أن كلفته السياسية باتت أعلى من عوائده، وأن المرحلة المقبلة تتطلب أدوات أقل صخباً وأكثر قابلية للتكيف مع التحولات الإقليمية والدولية. هذا التخلي يوازيه، في الضفة الأخرى، سعي سعودي لإعادة هندسة المشهد الجنوبي واليمني عموماً، عبر قوى جديدة أو معاد تدويرها، تعمل ضمن المظلة نفسها وإن اختلفت الشعارات.

البيان الصادر عن اجتماع عدن اعتمد مجدداً على شعارات التفويض الشعبي ودماء الشهداء، في محاولة لتجاوز الحقائق القانونية والسياسية التي أدت إلى حل المجلس. وهي مقاربة عاطفية اعتاد عليها هذا الكيان منذ نشأته، لكنها لم تعد قادرة على حشد الشارع كما في السابق. الدعوة إلى التظاهر في هذا السياق لا تبدو تعبيراً عن قوة شعبية، بقدر ما تعكس محاولة أخيرة لفرض حضور عبر خلق توتر وفوضى، واستخدام المواطنين كأدوات ضغط في صراع نخبوي على النفوذ.

اللافت أن الخطاب العدائي الذي تبناه الاجتماع لا يضع بقايا الانتقالي في مواجهة طرف إقليمي واحد فحسب، بل يكشف عزلتهم المتزايدة بعد فقدان الغطاء الإماراتي، وتآكل الرهان على الشارع، وتراجع القبول الدولي بالكيانات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة. وفي الوقت نفسه، فإن القوى الإقليمية الراعية، سواء في أبوظبي أو الرياض، لا يمكن إعفاؤها من مسؤولية إنتاج هذه الكيانات ثم التخلي عنها عندما تتغير الحسابات.

اليوم، يشير المزاج العام في عدن إلى تعب حقيقي من الكيانات الوظيفية والصراعات المدارة من الخارج، وإلى رغبة متنامية في استعادة حد أدنى من الاستقرار وهيبة الدولة، حتى وإن ظل هذا الطموح محفوفاً بالتحديات. أما تحركات بقايا الانتقالي، فلا تبدو سوى المحاولة الأخيرة لإضفاء شرعية على وجود انتهى عملياً، في مشهد يعكس أزمة أعمق، أزمة بلد ظل ساحة مفتوحة لتصفية حسابات إقليمية، تُنشأ فيه المكونات وتُحلّ وفق ميزان المصالح لا وفق إرادة وطنية جامعة.

من هنا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على السلطات المحلية والقوى الأمنية في منع الفوضى، بل أيضاً على القوى الإقليمية الكف عن إعادة إنتاج الأدوات نفسها بأسماء مختلفة. فاستقرار عدن واليمن عموماً لن يتحقق بتبديل الوكلاء، بل بالخروج من منطق الوصاية والنفوذ إلى منطق الدولة والسيادة، وهو ما لا يزال حتى الآن مؤجلاً في حسابات اللاعبين الكبار، ولن يتحول إلى واقع على الأرض إلا بإرادة أبناء اليمن أنفسهم.



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا