في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد ساعات فقط من إعلان شركة آبل رسميا عن هاتفها الأول القابل للطي "آيفون ديو" (iPhone Duo)، انتشرت مشاهد على نطاق واسع يُزعم أنها توثق ظهور تموجات بارزة في شاشة الهاتف، بعد سنوات من التسريبات والتكهنات بشأن دخول آبل سوق الهواتف القابلة للطي.
وحصدت هذه اللقطات عشرات الملايين من المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي في العالم، فما حقيقتها؟
وتُظهر الصورة المتداولة شخصا يمسك هاتف "آيفون ديو" في وضع الفتح الكامل، في مكان مفتوح أمام مقعد خشبي ومبنى ذي جدران حجرية وخلفية من الأشجار، في حين تبدو التموجات الظاهرة في منتصف الشاشة أقرب إلى كسر أو شرخ زجاجي طولي واضح.
وانتشرت الصورة مصحوبة بتعليق باللغة الإنجليزية مفاده أن اللقطة توثق تموجات بارزة في آيفون الجديد القابل للطي، ليعاد تداولها على نطاق واسع بلغات متعددة، وتحصد ملايين المشاهدات خلال وقت قصير.
لكن الصورة نفسها جرى تداولها بنسخ تختلف في حجم التموجات وشكلها، وباختلاف مكان التصوير المزعوم، فمرة تظهر في مقر "آبل بارك" ومرة أخرى في مكان مفتوح مغاير تماما، وهو ما أثار شكوكا بشأن مصداقيتها.
كما أن معظم من روّجوا للصورة استندوا إلى مصادر مجهولة من نوع "أحد المستخدمين" أو "تقارير"، رغم أن ذلك لم يمنع الصورة من إثارة غضب واسع ضد آبل، إذ وصفها بعضهم بأنها "أسوأ شاشة داخلية" شوهدت في هاتف قابل للطي، معتبرين أن مشكلة التموج "لا تزال قائمة بشكل كبير".
تتبعت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة مصدر الصورة، فتبين أن حسابا يحمل اسم (walt, the savage) على منصة "إكس" هو أقدم حساب تمكنت الوحدة من رصد نشره للصورة بهذا الادعاء في 10 سبتمبر/أيلول الجاري.
ونُشرت الصورة بعد يوم واحد فقط من مؤتمر الإعلان الرسمي، مرفقة بتعليق يزعم أن صاحب الحساب "استخدم الهاتف مدة ثلاثة أشهر وهذا ما آل إليه"، وقد حصد المنشور أكثر من 22 مليون مشاهدة.
وهنا يبرز أول تناقض جوهري: كيف يمكن لمستخدم أن يوثق أثر استخدام "ثلاثة أشهر" لهاتف لم يُطرح للبيع بعد، ولم يمض على الإعلان عنه سوى ساعات؟
فبحسب صفحة المنتج على الموقع الرسمي لآبل، يبدأ الحجز المسبق للهاتف في 16 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، في حين يتوفر للبيع فعليا بدءا من 23 من الشهر نفسه، أي أن الجهاز لم يكن متاحا بين يدي أي مستخدم بعد وقت نشر الصورة أصلا.
وللاختبار التقني، أخضعت وحدة المصادر المفتوحة الصورة لأداتين متخصصتين في كشف المحتوى المعالَج رقميا، وأظهرت نتائج أداة "سايت إنجن" (SightEngine) أن الصورة على الأرجح مولدة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 99%.
كما رجحت أداة "هايف مودريشن" (Hive Moderation) أن الصورة على الأرجح تحتوي على محتوى مرتبط بالذكاء الاصطناعي بنسبة كبيرة، لكن هذا لم يكن كافيا لتحديد طبيعة التوليد أو نوع التلاعب الرقمي.
عززت وحدة المصادر المفتوحة هذه النتائج بتحليل رقمي عبر موقع "فوتو فورنزيكس" (FotoForensics) الذي يكشف الفوارق في مستويات ضغط الصورة بين المناطق التي حُررت والمناطق الأصلية المحيطة بها.
وأظهرت خريطة التحليل تباينا واضحا بين خلفية المشهد (الأشجار والمقعد الخشبي) التي جاءت بمستوى ضوضاء منخفض ومنتظم، ومحيط الهاتف نفسه وحوافه، حيث ظهرت درجة سطوع وضوضاء أعلى بشكل لافت تحيط بمعالمه.
وهذا التفاوت الحاد في مستوى الخطأ بين الهاتف وما حوله يوفر مؤشرا إضافيا إلى احتمال خضوع منطقة الهاتف لمعالجة رقمية، وهي نتيجة تتسق مع مؤشرات التلاعب الأخرى في الصورة.
وعند مراجعة عروض توضيحية رسمية للهاتف ومراجعات صادرة عن صناع محتوى متخصصين، ظهر أن التموج الفعلي عند نقطة الطي يكون طفيفا جدا.
ولا يُلاحظ هذا الأمر إلا عند تغيير زاوية الرؤية وانعكاس الضوء عليه، وهو ما يتناقض كليا مع شكل الشرخ الطولي الحاد الظاهر في الصورة المتداولة.
بالبحث عن أصل الصورة، عثرنا على منشور يضم نسختين مختلفتين منها، على حساب باسم (Flossy Carter) وحصد نحو مليون مشاهدة، معلقا بأنه رغم كونه من مستخدمي أنظمة منافسة فإنه يرفض هذا النوع من التضليل، ومحذرا من سيل المحتوى المفبرك لتشويه صورة منتج بسبب تفضيل علامة تجارية على أخرى.
واللافت أن النسختين المتداولتين، رغم زعم أنهما للقطة واحدة، تباينتا بوضوح في تدرجات الألوان، وحجم التموج وشكله، وحتى في تفاصيل الخلفية الظاهرة خلف الهاتف، وهو تناقض بصري إضافي يعزز خلاصة أن الصورة خضعت لعمليات توليد أو تعديل متكررة، لا أنها التقاط واحد لمشهد واقعي.
وبالبحث العكسي عن أصل اللقطة، قادتنا النتائج إلى قناة على "يوتيوب" باسم "براين تونغ" (Brian Tong)، وهو صانع محتوى تقني معروف بمراجعاته الصريحة للأجهزة.
وبمراجعة مقطع فيديو نشره لتجربة "آيفون ديو"، عُثر عند الثانية 46 من المقطع على المشهد الأصلي نفسه، بالخلفية ذاتها التي ظهرت في الصورة المتداولة، لكن التموج فيه لا يظهر إلا للحظة عابرة عند تغيير زاوية حمل الهاتف، ولا يقترب إطلاقا من الشرخ الحاد الذي ظهر في النسخة المتداولة.
ويؤكد ذلك أن الصورة المتداولة حقيقية المصدر وليست مولدة من العدم، لكنها اجتُزئت من لقطة عابرة في مقطع مراجعة فعلي. ثم عُدلت الصورة رقميا لتضخيم أثر التجعد وتحويله إلى ما يشبه كسرا أو شرخا حادا، قبل إعادة نشرها مع الادعاء المضلل.
بمراجعة صفحة الأسئلة الشائعة الرسمية للهاتف على موقع آبل، تبيّن أن الشركة لم تنف وجود أي أثر للطي كليا.
لكنها أكدت أن الشاشة الداخلية "مسطحة وناعمة" بفضل تقنية طلاء خاصة تقلل الوهج والانعكاسات، وأن مواد لاصقة شفافة بصريا تسمح لطبقات الشاشة بالانزلاق أثناء الطي بما "يقلل الإجهاد والتموج" دون أن يلغيه تماما.
ولم يقتصر الادعاء على صورة واحدة؛ إذ رصدت الوحدة مقطع فيديو آخر يزعم توثيق تصميم خط الطي في "آيفون ديو" بشكل بارز جدا، مع تعليقات باللغة الإنجليزية تسخر ممن وصفوا الخط الفاصل في مراجعاتهم بأنه "غير ملحوظ إطلاقا"، زاعمة أن الفيديو يُظهر بوضوح الخط الفاصل بالكامل.
وأُعيد تداول المقطع على أنه يوثق لقطات حقيقية للهاتف، وحصد أكثر من مليون مشاهدة على حساب واحد نشره باللغة الصينية.
وبالبحث العكسي عن هذا المقطع، عثرنا على نسخة أعلى جودة منه منشورة على حساب باسم (DUDES COMMUNICATION) على " إنستغرام"، بتاريخ 29 أغسطس/آب الماضي، أي قبل أسبوعين تقريبا من الإعلان الرسمي عن الهاتف.
كما تبيَّن أن الشكل النهائي الذي ظهر به الهاتف في المقطع يختلف بوضوح عن تصميم "آيفون ديو" الحقيقي من حيث الشاشة ودقتها وانعكاساتها وتصميمها العام.
والأهم أن اسم الجهاز الظاهر داخل المقطع كان "آيفون فولد" (iPhone Fold)، وهو الاسم الذي تداولته التسريبات والتكهنات قبل الإعلان الرسمي، وليس "آيفون ديو" الاسم التجاري الذي اعتمدته آبل فعليا.
وتؤكد هذه المعطيات أن المقطع مأخوذ من تصور أو تسريب سابق للإعلان الرسمي، ولا يعكس التصميم الحقيقي للهاتف ولا حقيقة التجاعيد المزعومة فيه.
بتتبع الادعاء ونمط الحسابات الناشرة، تبيَّن أنها اعتمدت على صيغ مبهمة مثل "نقلا عن مستخدمين" أو "تقارير صحفية"، في محاولة لإثبات وجود خلل في المنتج رغم عدم طرحه رسميا، وهو ما أسهم في انتشاره بلغات متعددة.
ويعود التفاعل الواسع والتصديق السريع للادعاء إلى التحدي التقني المعروف للأجهزة القابلة للطي؛ حيث تُعد مشكلة تجعد الشاشة عند منطقة المنتصف هي العيب الأكثر انتقادا وملاحظة في هذه الفئة من الهواتف المنافسة على مدار السنوات الماضية.
ولا يمثل "آيفون ديو" مجرد إضافة جديدة إلى عائلة آيفون، بل يقدم تغييرا جوهريا في شكل الهاتف وطريقة استخدامه، إذ يتحول من هاتف تقليدي بشاشة خارجية إلى جهاز ذي شاشة داخلية كبيرة عند فتحه، مع نظام تشغيل مصمم للتكيف مع أوضاع الاستخدام المختلفة.
ويبدأ سعر آيفون ديو عند 1999 دولارا للنسخة الأساسية بسعة تخزين 256 غيغابايت، بينما تصل السعة التخزينية إلى 2 تيرابايت في الفئات الأعلى.
ويمثل "آيفون ديو" رهانا واضحا من آبل على أن الهاتف الذكي يمكن أن يحتفظ بحجمه المحمول، وفي الوقت نفسه يقدم مساحة شاشة أكبر عند الحاجة.
وتقول صفحة آبل الرسمية إن الجهاز يقدم أكبر شاشة آيفون حتى الآن، مع تصميم قابل للطي وتجربة "آي أو إس" أُعيد تصورها لتحقيق أقصى قدر من المرونة.
وبعد سنوات من دخول شركة سامسونغ وشركات أخرى سوق الهواتف القابلة للطي، تصل آبل متأخرة نسبيا إلى هذا القطاع، لكنها تراهن على دمج العتاد الجديد مع نظام تشغيل مصمم خصيصا له، وعلى منظومة الكاميرات والأداء وتكامل أجهزتها لجذب المستخدمين إلى فئة جديدة من آيفون.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة