ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقطع فيديو قيل إنه يوثق لحظة مداهمة السلطات الإيرانية منزل من أطلقوا عليه "أرفع وأهم عميل للموساد الإسرائيلي" في العاصمة طهران.
وادعى ناشرو المقطع أنه يظهر بوضوح ضبط كميات ضخمة من الدولارات وسبائك ذهب داخل مسكنه، في سردية أعادت تدويرها حسابات مؤيدة لإيران على نطاق واسع وبلغات متعددة، لتحصد ملايين المشاهدات خلال ساعات.
في 17 أغسطس/آب الجاري، انتشر المقطع على إكس قبل أن تتلقف السردية حسابات معروفة بدعمها لإيران على منصات رقمية أخرى باللغات العربية والإنجليزية والأردية.
واعتبرت الحسابات أن المشهد يوثق مداهمة السلطات الإيرانية منزل "العميل الأهم للموساد في طهران"، وأن كميات ضخمة من الدولارات ظهرت مخبأة فيه.
أظهر البحث الذي قامت به وحدة المصادر المفتوحة بالجزيرة أن أول ناشر للمقطع (مؤرشف) ضمن سردية "مداهمة منزل عميل الموساد" هو حساب على منصة إكس يحمل اسم "Asif Ali" بتاريخ 16 أغسطس/آب الجاري.
وخلال البحث، لم نعثر على أي تقارير جديدة من وكالات الأنباء أو الصحف الإيرانية تتحدث عن تفاصيل هذه الواقعة، سواء عن مداهمة أمنية لمنزل عميل مزعوم للموساد أو عن ضبط مبالغ مالية أو كميات من الذهب في طهران خلال الفترة المعنية.
في حين، عزز الغياب اللافت لخبر بهذا الحجم في داخل إيران شكوكا حول مصداقية الادعاء المتداول بالنظر إلى طبيعة ونمط الحسابات التي شاركت في تداوله.
قبل الشروع في التحليل البصري والتقني، رصدنا أن عددا من الحسابات التي أعادت نشر المقطع تعمدت اقتصاص الزاوية العلوية اليسرى من الفيديو التي تحمل العلامة المائية للمصدر الأصلي، أو حذفتها بالكامل من الإطار.
ويشير هذا النمط إلى محاولة قطع أي خيط تقود لمعرفة السياق أو المصدر الأصلي للمقطع، بما يخدم توظيفه في سردية جديدة، وهو مؤشر إضافي على أنه قد يكون تضليلا مقصودا.
عند التدقيق في الصوت المرافق للمقطع، يسمع أنه قريب جدا من مصدر التسجيل (الكاميرا) ولا يعكس صدى أو تفاعلا صوتيا يتسق مع خطوات حقيقية داخل فراغ بحجم المبنى الظاهر في المشهد.
كما رصدنا وجود أصوات سيارات في الخلفية توحي بأن الموقع يقع في منطقة سكنية أو حيوية، إلا أن الإضاءة الداخلية في المقطع لا تتسق مع ما يفترض أن يكون نهارا في محيط موقع حيوي متكدس بالسيارات، وهو تناقض يثير مزيدا من الشكوك حول واقعية المشهد.
أجرت وحدة المصادر المفتوحة فحصا فنيا للمقطع كشف مؤشرات على أنه مولد بالذكاء الاصطناعي، أبرزها: ظهور رزم الدولارات كما لو أنها مجسمات موضوعة بشكل غير متسق فيزيائيا داخل الإطار.
كما أن النصوص والأرقام غير مقروءة على الأوراق النقدية بوضوح. فعند تكبير اللقطات القريبة، من المفترض أن تحمل فئة الـ100 دولار عبارات وأرقاما واضحة، كما أن الرقم التسلسلي يظهر في صورة خربشات غير واضحة لا تشكل حروفا أو أرقاما. وتظهر هذه الفروقات بشكل واضح في الورقة النقدية الحقيقية.
وعند رفع المقطع على أداة (aivideodetector) المتخصصة في كشف المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي سجلت نسبة تصل إلى 82% ضمن تصنيف "يرجح أنه مولد بالذكاء الاصطناعي"، موزعة على 89% لمؤشرات التوليد في الإطارات الثابتة و67% على مستوى الحركة.
وكشفت وحدة المصادر المفتوحة أن أسلوب التصوير يندرج ضمن قالب بصري متكرر بات شائعا في مقاطع الفيديو المولدة بالذكاء الاصطناعي ضمن ما يُعرف بمحتوى "استكشاف الأماكن المهجورة".
وتعتمد هذه المقاطع بشكل نمطي على مشهد ثابت لكشاف يدوي يتقدم ببطء نحو غرض أو مشهد مثير للفضول في العتمة، مصحوبا بصوت خطوات في الخلفية لا يتطابق زمنيا أو صوتيا مع حركة الكاميرا الفعلية.
ويلاحظ أن هذا القالب يتكرر بشكل شبه معياري عبر حسابات متعددة متخصصة في هذا النوع من المحتوى على إنستغرام وتيك توك.
وبالتوازي مع الفحص الفني، تتبعت وحدة المصادر المفتوحة المقطع بالبحث العكسي، فتبين أنه نفس المقطع الذي نشرته صفحة "إيجيبتون" (Egyptoon) المصرية الساخرة على إنستغرام قبل أيام ضمن سياق مختلف تماما، وحصد أكثر من 7 ملايين مشاهدة.
وقدمته الصفحة بوصفه محتوى كوميديا يسأل المتابعين عن مكان "الخرابة" الظاهرة في الفيديو، قبل أن يُنتزع من السياق الأصلي ويعاد توظيفه في سياق مختلف.
ونلاحظ أن الحسابات التي روّجت لسردية "عميل الموساد" لم تنشر سوى المقطع الليلي فقط من الفيديو الأصلي، الذي تبلغ مدته 29 ثانية ويضم مشهدين، ليليا ونهاريا، بينما اقتصر المتداول في سياق طهران على النصف الأول الليلي فقط الذي لا تتجاوز مدته 14 ثانية.
ورجحت أداة ضمن حزمة (InVID-WeVerify) المعتمدة في أوساط التحقق أن المشهد النهاري في المقطع المتداول مولد بالذكاء الاصطناعي بنسبة كبيرة تصل إلى 99%.
ويكتسب هذا الإجراء دلالة إضافية على التضليل المتعمد، إذ إن المشهد النهاري من المقطع الأصلي هو الأوضح من حيث كشف علامات التوليد بالذكاء الاصطناعي، كالتكرار الشكلي المفرط لرزم الدولارات وشكل سبائك الذهب في الإضاءة الطبيعية، وهو ما يوحي بأن الجزء الأصعب كشفا للتزييف استبعد عمدا من النسخة المتداولة.
وتبين أن نمط صفحة "إيجيبتون" -التي تأسست عام 2013 بوصفها أول وأكبر قناة كارتون مصرية للشباب- يعتمد مؤخرا على المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، وتحظى هذه المقاطع بملايين المشاهدات. حتى أن الصفحة نشرت على "إنستغرام" مشهدا مشابها لنفس لقطة الأوراق المالية بطريقة أخرى وفي مكان مختلف.
نمط صفحة "إيجيبتون" التي تأسست عام 2013 (إنستغرام)وبذلك يكشف التحقق أن المقطع المتداول تحت ادعاء "مداهمة منزل عميل الموساد في طهران" هو في الأساس فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي نشرته صفحة مصرية في سياق ترفيهي قبل أن تنتزعه حسابات مؤيدة لإيران من سياقه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة