آخر الأخبار

الوالد المفضل.. سر تعلق الأطفال بأحد الوالدين دون الآخر

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قد يرفض الطفل النوم إلا مع أمه، أو يصر على أن يحمله والده وحده، ما يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بوجود "والد مفضل". لكن هذا السلوك لا يعكس مقدار الحب الذي يكنه الطفل لكل من والديه، بل يرتبط بكيفية تشكل العلاقة مع والديه، وهي رابطة فطرية تمنحه الشعور بالأمان والطمأنينة. لذلك فإن انجذاب الطفل إلى أحد والديه في مواقف معينة لا يعني رفض الآخر أو حبه بدرجة أقل، وإنما يعكس احتياجاته العاطفية في كل مرحلة من نموه.

التعلق وليس التفضيل

يفرق علماء النفس بين "الحب" و"التعلق". فالحب شعور معقد يتطور تدريجيا مع الخبرات والعلاقات، أما التعلق فهو نظام بيولوجي فطري يولد به الطفل ليضمن بقاءه وحمايته. ومنذ اللحظات الأولى من حياته يعتمد الرضيع اعتمادا كاملا على من يلبون احتياجاته الجسدية والعاطفية، لذلك يبدأ في تكوين روابط مع الأشخاص الذين يستجيبون لإشاراته باستمرار.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "السكويشي".. لعبة صغيرة أربكت الآباء وأصبحت هوس الأطفال الجديد
* list 2 of 2 لماذا ينام بعض الأطفال أسرع بين ذراعي الأب؟ العلم يفسر end of list

وخلال الأشهر الأولى لا يميز الرضيع كثيرا بين والديه، لكن مع بلوغه نحو الشهر السادس يبدأ في التعرف على الوجوه المألوفة، ثم تتشكل تدريجيا "أشخاص التعلق". وبحلول الشهر التاسع أو العاشر يكون الطفل قد كون أكثر من علاقة تعلق، إلا أنه يرتبها بصورة تمنحه مع بعض الأشخاص شعورا أكبر بالطمأنينة، خصوصا في لحظات الخوف أو التعب أو المرض أو الانفصال. ولهذا قد يلجأ تلقائيا إلى أحد والديه في موقف معين، ليس لأنه يحبه أكثر، بل لأنه يشعر معه بقدر أكبر من الأمان في تلك اللحظة.

مصدر الصورة تعلق الطفل المؤقت بأحد والديه لا ينبغي أن يفسر باعتباره مقياسا للحب (دوبي)

ما سر تعلق طفلك بأحد الوالدين دون الآخر؟

لا توجد قاعدة ثابتة تحدد من سيكون الشخص الأقرب إلى الطفل، إذ تختلف الظروف من أسرة إلى أخرى. لكن العامل الأكثر تأثيرا هو قدرة الأهل على فهم احتياجات الطفل والاستجابة لها بصورة دافئة ومتسقة. فالطفل يميل إلى الشخص الذي يهدئه عندما يبكي، ويواسيه عند المرض، ويطمئنه عندما يشعر بالخوف، لأن هذا الشخص يتحول تدريجيا إلى ما يسميه علماء النفس "القاعدة الآمنة" التي يعود إليها كلما احتاج إلى الاحتواء.

إعلان

ولا يرتبط ذلك بدور الأم أو الأب في حد ذاته، ولا يعني أن أحدهما أكثر حبا أو اهتماما من الآخر. فقد يكون الأب هو الشخصية الأقرب في بعض الأسر، كما قد يكون أحد الأجداد أو مقدم رعاية آخر. المهم ليس هوية الشخص، بل طبيعة العلاقة التي نشأت بينه وبين الطفل، ومدى شعور الطفل بأنه يجد لديه استجابة يمكن التنبؤ بها كلما احتاج إلى الدعم.

جودة التفاعل أهم من عدد الساعات

ومن أكثر المفاهيم شيوعا بين الآباء الاعتقاد بأن قضاء وقت أطول مع الطفل يضمن علاقة أقوى. لكن الحقيقة هي أن جودة التفاعل غالبا ما تكون أكثر أهمية من عدد الساعات. فالطفل لا يحتاج إلى وجود دائم بقدر حاجته إلى شخص ينصت إليه، ويتفاعل مع مشاعره، ويمنحه اهتماما حقيقيا عندما يكون معه.

لذلك قد يكون لقراءة قصة قبل النوم، أو الحديث أثناء تناول الطعام، أو اللعب لبضع دقائق دون أي مشتتات، أثر يفوق ساعات طويلة يقضيها الوالد مع طفله بينما ينشغل بالهاتف أو العمل. فالطفل يلتقط جودة الانتباه أكثر مما يفهم مدة البقاء، ويشعر بالأمان عندما يدرك أن مشاعره تجد استجابة هادئة ومتوقعة، لا عندما يكون وجود الوالد شكليا أو متقطعا.

لماذا يمر الطفل بمراحل يفضل فيها أحد الوالدين؟

قد يلاحظ الوالدان أن الطفل يفضل أحدهما في مرحلة، ثم يقترب من الآخر بعد أشهر، وهو أمر طبيعي. فاحتياجات الطفل تتغير مع مراحل نموه، كما تتغير الظروف المحيطة به. ففي السنوات الأولى قد يبحث عن الشخص الذي يمنحه أكبر قدر من الراحة الجسدية والاحتواء، بينما قد يميل لاحقا إلى الوالد الذي يشاركه اللعب أو الأنشطة أو الاهتمامات اليومية.

كذلك قد تؤدي الأحداث الكبيرة، مثل استقبال مولود جديد، أو بدء الحضانة، أو الانتقال إلى منزل آخر، إلى زيادة تمسك الطفل مؤقتا بالشخص الذي يمنحه شعورا أكبر بالاستقرار. وهذه التغيرات لا تعني أن علاقته بالطرف الآخر ضعفت، وإنما تعكس حاجته إلى مصدر ثابت للطمأنينة في فترات التغيير وعدم اليقين.

كيف ينعكس ذلك على الوالدين؟

قد يشعر الوالد الذي لا يختاره الطفل باستمرار بأنه مرفوض، بينما قد يشعر الوالد الآخر بالإرهاق إذا أصبح الطفل يعتمد عليه وحده في التهدئة أو النوم أو الرعاية اليومية. ورغم أن كلا الشعورين مفهوم، فإن الخبراء يحذرون من تحويل الأمر إلى منافسة داخل الأسرة، لأن الأطفال يلتقطون التوتر بين والديهم بسرعة، وقد يزداد قلقهم نتيجة لذلك.

كما لا ينصح بإجبار الطفل على الابتعاد عن الشخص الذي يرتاح إليه أو توبيخه بسبب طلبه أحد والديه، لأن ذلك لا يعزز استقلاليته، بل قد يزيد من شعوره بعدم الأمان. والأفضل هو التعامل مع هذه المرحلة بهدوء، مع منح الطرف الأقل قربا فرصا متكررة لبناء علاقة إيجابية مع الطفل دون ضغط أو استعجال.

كيف يمكن تعزيز العلاقة؟

بناء علاقة آمنة مع الطفل لا يحتاج إلى حلول معقدة، بل إلى الاستمرارية والصبر. ولهذا يوصي بتخصيص وقت منتظم للتفاعل مع الطفل من خلال أنشطة بسيطة يستمتع بها، مثل قراءة قصة، أو اللعب، أو الخروج في نزهة قصيرة، مع الحفاظ على روتين يمنحه شعورا بالاستقرار ويمكنه من توقع ما سيحدث.

ولا تقل أهمية العلاقة بين الوالدين عن العلاقة مع الطفل نفسه؛ فحين يرى الطفل والديه متعاونين ويدعم كل منهما الآخر، يزداد شعوره بالاستقرار والثقة، ويتسع تدريجيا نطاق الأشخاص الذين يشعر معهم بالأمان.

مصدر الصورة بناء علاقة آمنة مع الطفل لا يحتاج إلى حلول معقدة، بل إلى الاستمرارية والصبر (دوبي)

التعلق الآمن استثمار طويل الأمد

لا يتمثل الهدف من التربية في أن يصبح أحد الوالدين هو الوالد "المفضل"، بل في أن يشعر الطفل بأن لديه أكثر من شخص يمكنه اللجوء إليه عند الحاجة. وتشير الأبحاث إلى أن التعلق الآمن في الطفولة المبكرة يضع أساسا مهما للصحة النفسية في المستقبل، إذ يرتبط بقدرة أفضل على تنظيم المشاعر، وبناء علاقات اجتماعية صحية، والتعامل مع الضغوط، وتنمية الاستقلالية والثقة بالنفس.

إعلان

وتدعم ذلك مراجعة علمية واسعة نشرت في مجلة "تشيلد ديفلوبمنت" Child Development، إذ حلل الباحثون نتائج 80 عينة بحثية مستقلة ضمت 4441 طفلا، و وجد الباحثون أن الأطفال الذين نشأوا في ظل تعلق آمن مع مقدمي الرعاية كانوا أكثر كفاءة في بناء العلاقات مع أقرانهم، وأفضل في التفاعل الاجتماعي مقارنة بالأطفال ذوي أنماط التعلق غير الآمنة.

تعلق الطفل المؤقت بأحد والديه لا ينبغي أن يفسر باعتباره مقياسا للحب، بل بوصفه انعكاسا لحاجته الفطرية إلى الأمان. ومع استمرار الرعاية الداعمة والتفاعل الإيجابي من كلا الوالدين، تتسع دائرة الثقة لدى الطفل تدريجيا، ويصبح أكثر قدرة على الاعتماد على كل من حوله دون أن يفقد إحساسه بالأمان.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا