زرتُ الولايات المتحدة لأول مرة صيف عام 1984، حين كنت موظفا شابا في الأكاديمية السوفياتية للعلوم. آنذاك، أسرتني أمريكا بجمالها. فقد كانت ناطحات السحاب أطول والطرق السريعة أوسع، ومراكز التسوق أفخم مما توقعت.
كان أول حاسوب شخصي من نوع "آبل ماكنتوش" مزودٍ بفأرة قد ظهر على رفوف متاجر الإلكترونيات، كما أن برينس، وتينا تيرنر، ومايكل جاكسون كانوا يتربعون على عرش موسيقى البوب، وكان فيلما: "صائدو الأشباح"، و"أكاديمية الشرطة" يعرضان في دور السينما، والرئيس رونالد ريغان يتجه بثقة نحو إعادة انتخابه، مما أدى إلى هزيمة ساحقة للمرشح الديمقراطي والتر مونديل في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني آنذاك.
في تلك الأيام التي تبدو الآن بعيدة، لم يكن ينظر إلى أمريكا من قبل الكثيرين حول العالم على أنها "مدينة متألقة على تلة" مغرية ولكنها بعيدة المنال، بل كنموذج يحتذى به ودليل للعمل.
فقد بدا وكأن النظام السياسي الأمريكي وثقافة الشركات، وجامعات رابطة اللبلاب وهوليود، ونمط الحياة الأمريكي و"الحلم الأمريكي"، وتمثال الحرية في نيويورك وجسر البوابة الذهبية في سان فرانسيسكو، جميعها في متناول اليد.
فأي دولة أخرى في العالم عام 1984 كان يمكن اعتبارها بحق رمزا للحرية الفردية والفرص غير المحدودة والتقدم الاقتصادي والتكنولوجي المتواصل؟
بالطبع، حتى آنذاك، كانت هناك شكوك مشروعة حول قدرة واشنطن على استخدام قوتها بحكمة. فما زالت ذكريات النهاية المخزية لحرب فيتنام التي دامت عقودا حاضرة، وكان البيت الأبيض يناقش بشكل علني ضرورة التغلب على "متلازمة فيتنام" بأسرع وقت ممكن.
لم تعد واشنطن قادرة على وقف حركة النظام الدولي نحو تعدد المراكز، لكنها لا تزال قادرة تماما على تعقيد هذه الحركة بشكل كبير من خلال توليد مخاطر وشكوك إضافية
في خريف عام 1983، شنت إدارة ريغان غزوا غير مبرر لغرينادا، مؤكدة بذلك عدم نية الولايات المتحدة التخلي عن الأعمال العسكرية الأحادية التي تنتهك القانون الدولي بشكل صارخ.
ومع ذلك، قبل أربعة عقود، بدا أن هذه البقايا المؤسفة من "الفكر القديم" ستصبح حتما من الماضي، وأن أمريكا ستتمكن من أن تظهر للعالم أجمع ليس فقط نموذجا فعالا للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، بل أيضا مثالا للسلوك المسؤول على الساحة الدولية.
مرت أكثر من أربعين عاما، وتلاشت الصورة البراقة واللامعة للولايات المتحدة، التي كانت تصورها كمختبر عالمي رائد لمستقبل البشرية، وأصبحت باهتة.
اليوم، يبنى في دبي وهونغ كونغ ناطحات سحاب أكثر مما يبنى في نيويورك أو شيكاغو، وتتفوق البنية التحتية للنقل في الصين على نظيرتها الأمريكية بمراحل، وتتزايد الشكوك حول فاعلية المؤسسات السياسية الأمريكية من قبل المراقبين الخارجيين والأمريكيين أنفسهم.
كما انخفضت حصة الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي إلى النصف خلال السنوات القليلة الماضية، وتراجعت حصة الدولار في المعاملات الدولية من 80% إلى حوالي 50%، وانخفضت حصة أمريكا من المنشورات العلمية العالمية بشكل أكبر.
لم تعد الولايات المتحدة رائدة بلا منازع في العديد من التقنيات الحديثة. فوادي السيليكون الشهير يمر بأوقات عصيبة، وتغلق شركات التكنولوجيا العملاقة مثل "أوراكل" و"تسلا" و"هيوليت باكارد" مقراتها الرئيسية في كاليفورنيا.
قد يجادل البعض بأن هذا لا يعود إلى ضعف الولايات المتحدة، بل ببساطة إلى ازدياد قوة دول أخرى، إلا أن الحقائق الواضحة لا يمكن إنكارها:
فعلى مدى الأربعين عاما الماضية، تراكمت في البلاد مشاكل عديدة لم تحل في مجالات واسعة، من التنمية الحضرية إلى إدارة الهجرة. وقد ازداد العجز التجاري الأمريكي عشرة أضعاف تقريبا خلال هذه الفترة، وبلغ الدين القومي ما يقارب 40 تريليون دولار، متجاوزا الناتج المحلي الإجمالي.
ومنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، تشهد الولايات المتحدة تراجعا صناعيا، وقد فقدت بالفعل ما يقارب 7.5 ملايين وظيفة في قطاع التصنيع (أكثر من ثلث إجمالي الوظائف السابقة).
من جهة أخرى، ارتفع عدد نزلاء سجون البلاد من 462 ألفا عام 1984 إلى 1.9 مليون عام 2025. وقد أكد الرئيس دونالد ترمب هذا الوضع المتردي.
ففي كلمته أمام مؤتمر العمل السياسي المحافظ في دالاس في أغسطس/آب 2022، صرح قائلا: "نحن، من نواح عديدة، دولة من دول العالم الثالث. نحن دولة يعاني اقتصادها من التدهور، وسلاسل إمدادها من الاضطراب ومتاجرها من نقص في البضائع وطرودها من التأخر في التسليم ونظامها التعليمي في ذيل القائمة".
لا تزال الولايات المتحدة "القوة التي لا غنى عنها"، والتي بدون مشاركتها لا يمكن حل العديد من مشاكل العالم الحديث
لكن المشكلة لا تقتصر على المشاكل الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها. بل الأهم من ذلك بكثير هو أن المجتمع الأمريكي منقسم منذ زمن طويل حول أهم قضايا تنمية البلاد، وكل دورة سياسية جديدة تزيد من حدة هذه الانقسامات.
وباتت أهمية عبارة الرئيس أبراهام لينكولن الشهيرة، التي تقول إن الديمقراطية الأمريكية هي "حكومة الشعب، من الشعب، وللشعب"، أقل وضوحا للناخب الأمريكي.
فبحسب مركز "بيو" للأبحاث، فإن حوالي 17% فقط من الأمريكيين يثقون بالحكومة الفدرالية، بينما يقيم سبعة من كل عشرةِ مستطلعين أداء الكونغرس الأمريكي بسلبية.
علاوة على ذلك، تتزايد التقييمات السلبية للرئيس الأمريكي وحكام الولايات ورؤساء البلديات وحتى المحكمة العليا.
في منتصف القرن التاسع عشر، قال أوتو فون بسمارك: "كيف يمكن الوثوق بالروس وهم لا يثقون بأنفسهم؟".
ينطبق هذا القول تماما على الولايات المتحدة اليوم: فالدولة المنقسمة لا تستطيع انتهاج سياسة خارجية متسقة وقابلة للتنبؤ تكسب ثقة حلفائها وخصومها على حد سواء.
وإذا كانت واشنطن ثابتة وقابلة للتنبؤ في مجال واحد، فهو استعدادها لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، كما يتضح من حملاتها في العراق وأفغانستان، وضرباتها على إيران.
في معظم الحالات، فشلت العمليات العسكرية الأمريكية على مدى العقود الماضية في تحقيق أهدافها، ولم تفض إلى تعزيز طويل الأمد لمكانة أمريكا الدولية.
علاوة على ذلك، غالبا ما خلقت هذه العمليات مشاكل إضافية في التفاعلات بين واشنطن وشركائها، الذين يشعرون بالاستياء من أحادية الجانب الأمريكية المتعجرفة.
نتيجة لذلك، وجدت الولايات المتحدة نفسها بشكل متزايد في وضع "العزلة الرائعة"- على غرار المصطلح الذي شاع في القرن التاسع عشر- حيث لم تجد تصرفات البيت الأبيض الفوضوية وغير المسؤولة أي دعم أو تفهم في العالم المحيط بأمريكا.
ربما لم تكن هذه "العزلة الرائعة" للولايات المتحدة في النظام الدولي بهذه الدرجة من الحدة لو أن الفاعلين العالميين الآخرين كانوا على استعداد لتحمل العبء الصعب المتمثل في توسيع نطاق المنافع العامة العالمية. ومع ذلك، فإن الواقع هو أننا ما زلنا في بداية تحول النظام الدولي نحو عالم متعدد المراكز حقا.
في نهاية مسيرة التحول الأمريكي الطويلة والشاقة، يمكننا أن نرى التحول التدريجي للولايات المتحدة إلى "دولة طبيعية"، مستعدة لاتباع سياسة متوازنة ومسؤولة في عالمنا المعقد، سريع التغير، والذي غالبا ما يكون غير قابل للتنبؤ
لكن لا تزال الولايات المتحدة "القوة التي لا غنى عنها"، والتي بدون مشاركتها لا يمكن حل العديد من مشاكل العالم الحديث.
لم تعد واشنطن قادرة على وقف حركة النظام الدولي نحو تعدد المراكز، لكنها لا تزال قادرة تماما على تعقيد هذه الحركة بشكل كبير من خلال توليد مخاطر وشكوك إضافية.
لذا، من مصلحة المجتمع الدولي المشتركة عدم عزل الولايات المتحدة أكثر في الشؤون العالمية، بل الحفاظ، قدر الإمكان، على مشاركة أمريكا في المؤسسات والآليات متعددة الأطراف المسؤولة عن السلام والأمن الدوليين، والصحة العالمية والقضايا الإنسانية والتنمية الاقتصادية والتمويل العالمي والتجارة العالمية والتعاون في مجالات التعليم والعلوم والثقافة.
ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة حتى عندما تجد الولايات المتحدة نفسها ليست جزءا من الحل، بل جزءا من المشكلة نفسها.
ستظل الولايات المتحدة شريكا صعبا لفترة طويلة قادمة، وستؤدي محاولات واشنطن للعودة إلى "عالم أحادي القطب" مرارا وتكرارا إلى أزمات حادة ونزاعات، بل وحتى اشتباكات مسلحة.
ومع ذلك، سيحتاج المجتمع الدولي إلى أمريكا بعد عشر سنوات، وعشرين، وحتى خمسين.
وفي نهاية مسيرة التحول الأمريكي الطويلة والشاقة، يمكننا أن نرى التحول التدريجي للولايات المتحدة إلى "دولة طبيعية"، مستعدة لاتباع سياسة متوازنة ومسؤولة في عالمنا المعقد، سريع التغير، والذي غالبا ما يكون غير قابل للتنبؤ.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة