لعقود طويلة، تعاملت واشنطن مع الأنظمة الملكية في الخليج كركائز ثابتة لقوتها في الشرق الأوسط. تطور الوجود العسكري الأمريكي هناك إلى شبكة واسعة من القواعد والبنية التحتية. توقعت هذه الدول الحماية تحت المظلة الأمنية الأمريكية .
لكن هذا الاتفاق بدأ يتآكل، وربما ينكسر، فيما تشهد أروقة الحكم في الخليج إعادة تقييم جوهرية. وتتسائل القيادات السياسية الخليجية عما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال ضامناً أمنياً موثوقاً، أم أنها مجرد قوة تستخدم أراضيهم وتتركهم عرضة للانتقام.
تسارع هذا التحول بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الأخيرة على إيران ، إذ كشفت هذه الحرب لدول الخليج أن دعم العمليات العسكرية الأمريكية يحمل تكاليف كارثية محتملة بعد أن أصبحت منشآتها الحيوية أهدافاً للانتقام الإيراني، الأمر الذي دفعها للانتقال من "الاصطفاف التلقائي” إلى "الحياد التبادلي”، وفق تحليل نشره مؤخراً موقع "ذا هيل" الأمريكي.
أثارت الحرب تساؤلات حول مستقبل الخليج كوجهة تنافسية للاستثمار، لكن الخيارات المتاحة لدول الخليج لاستعادة أمنها تبدو محدودة،صورة من: Amr Alfiky/REUTERS
هذا الدعم يشمل الجوانب الدفاعية والدبلوماسية والاستخباراتية والتكنولوجية. في الوقت نفسه، أثبتت الاضطرابات الاقتصادية العالمية الناجمة عن الحرب زيف الادعاء بأن الخليج يحتاج إلى واشنطن بينما واشنطن لم تعد بحاجة إلى الخليج.
ويشير تحليل فورين بوليسي إلى أن الولايات المتحدة لديها اليوم فرصة لتعزيز شراكاتها، إذ يمكنها قيادة جهود إعادة فتح مضيق هرمز، كما يمكنها التعاون في بناء الجيل القادم من الدفاعات المضادة للصواريخ والطائرات المسيرة، إضافة إلى قدرتها على إحياء الشراكة الاقتصادية الطموحة التي تركز على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي .
ويشير تحليل لمعهد كارنيغي إلى أنه في خضم هذه التحديات، تواجه دول مجلس التعاون الخليجي ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبلها بعد الحرب:
السيناريو الأول: وهو "مجلس أكثر تعاوناً”، تدفع ضغوط الحرب نحو تكامل أكبر في أنظمة الدفاع الجوي. يشمل ذلك التصنيع العسكري المحلي وربط الممرات التجارية لتجاوز مضيق هرمز.
السيناريو الثاني: هو "خليج الوضع الراهن”، حيث يقتصر التعاون فيه على الترتيبات المؤقتة التي فرضتها الحرب، فيما تستمر الانقسامات التاريخية حول مسؤولية الأزمة وكيفية التعامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
السيناريو الثالث والأكثر خطورة: هو " صدع خليجي جديد ” تتنافس دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات، علناً لتأمين استراتيجيات فردية. وبحسب تحليل كارنيغي فقد يؤدي هذا إلى تفاقم التوترات الاقتصادية والجيوسياسية، خاصة فيما يتعلق بالموقف من إسرائيل والموازنة بين المطالب الأمريكية والإيرانية.
ويشير تحليل آخر لمعهد كارنيغي إلى أن الضربات الإيرانية على أهداف في دول الخليج أدت إلى الإخلال بالتوازن الدقيق في المنطقة. يذكر أن هذه الضربات جاءت رداً على الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط من هذا العام.
وبحسب كارنيغي فقد أظهرت إيران استعدادها لنقل المواجهة إلى المراكز الاقتصادية والسياسية الأساسية في المنطقة، الأمر الذي وضع قادة الخليج أمام واقع جديد ومزعج، إذ أصبح عليهم الرد على الضغط الإيراني مع تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية أوسع.
ورغم الاستثمارات الكبيرة في القدرات الدفاعية، تظل دول الخليج مكشوفة أمام القدرات العسكرية الإيرانية غير المتكافئة. تشمل هذه القدرات الصواريخ والطائرات المسيرة وتعطيل الممرات البحرية.
هذا الواقع يفسر الحذر المحسوب لقادة الخليج، فقد انخرطت دول مثل السعودية والإمارات والكويت وقطر في محادثات رفيعة المستوى، وتناولت هذه المحادثات مستقبل عقودها مع الولايات المتحدة، مما يشير إلى رغبة متزايدة في تنويع الشراكات الاستراتيجية بهدف عدم الاعتماد على راعٍ أمني واحد.
دفعت موجة العنف الإقليمي والتحولات في اصطفافات القوى العظمى والشكوك حول موثوقية واشنطن، إذ بدأت دول مثل قطر والسعودية في إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية، بحسب تحليل لموقع إنكستيك ميديا الأمريكي المتخصص في الأمن الدولي والشؤون العسكرية.
ففي قطر، ورغم الغضب من الضربة الإسرائيلية غير المسبوقة على الدوحة، حافظت البلاد على استراتيجيتها بإظهار الولاء لواشنطن، وفي الوقت نفسه، وسعت علاقاتها بهدوء مع قوى أخرى.
أما في السعودية، فتبدو إعادة التقييم أكثر وضوحاً، إذ تعتمد "رؤية 2030” على الاستقرار وتجنب الحرب، الأمر الذي دفع الرياض إلى تنويع علاقاتها الاستراتيجية، شمل ذلك إصلاح العلاقات مع إيران وتركيا، كما شمل استكشاف أنظمة تسليح بديلة.
ولا ترى أي من الدولتين بديلاً قابلاً للتطبيق للمظلة الأمنية الأمريكية، لكنهما تستعدان لمستقبل تكون فيه واشنطن أقل موثوقية، فيما تسعيان لمزيد من الاستقلالية وتوسيع الشراكات بهدف تقليل تعرضهما للتقلبات الأمريكية.
تحرير: ماجدة بوعزة
المصدر:
DW