لم تكن مقابلة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع برنامج "60 دقيقة" على شبكة "سي بي إس" مجرد ظهور إعلامي لرئيس حكومة إسرائيلي يحاول مخاطبة الرأي العام الأمريكي. ففي الصحافة الإسرائيلية، تحولت المقابلة إلى مرآة عاكسة لأزمة أعمق: زعيم يبدو منهكا، خطاب متناقض، تنصل من المسؤولية، وارتباك سياسي في لحظة تتراكم فيها آثار الحرب مع إيران وغزة و7 أكتوبر/تشرين الأول.
في هآرتس ، كتبت يوانا غونين، وهي كاتبة رأي إسرائيلية معروفة بنقدها الحاد لنتنياهو، أن المكان الذي اختاره رئيس الحكومة للمقابلة لم يكن تفصيلًا هامشيًا، فقد ظهر من فيلا الملياردير سيمون فاليك في القدس، لا من مكتب رسمي، لتراه الكاتبة "زعيمًا مسنًا منهكًا، يختبئ في ملجأ أحد معارفه الأثرياء، ومنه يلقي خطابات عن الشجاعة والمسؤولية".
ولم تكتف غونين بوصف الشكل، بل ربطته بنهاية مرحلة سياسية، فكتبت أن نتنياهو بدا "رئيس وزراء يتحدث بلا انقطاع عن التمسك بالسلطة، بينما يبدو هو نفسه منحنيًا"، ثم التقطت عبارته عن سقوط الأنظمة (عن النظام الإيراني) "يحدث ذلك تدريجيا، ثم ينهار فجأة"، لتعيد توجيهها ضده قائلة إن "القانون الفيزيائي نفسه ينطبق على نظامه الأبدي فهو يتفكك تدريجيا حتى ينهار فجأة".
أما يوسي فيرتر، المحلل السياسي البارز في هآرتس، فكتب أن المقابلة كانت "عديمة الجدوى تمامًا من حيث مضمونها"، لكنها "بالغة الأهمية" بسبب الصورة التي قدمتها. وبالنسبة إليه، لم يكن الحدث في ما قاله نتنياهو، بل في كيف ظهر إذ "لم يظهر نتنياهو بهذا الشكل أبدا: كتفاه متدليتان، منحن، ووجهه أنحف مما كنا نعرفه".
ويعزز هذا الانطباع ما كتبه يانير كوزين، مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي، عقب المقابلة، حين قال إن الموضوع حساس، لكنه ضروري للنقاش "لأن هذا الرجل يشغل أهم منصب لمستقبلنا وأمننا في هذا البلد".
وأضاف: "أغطي أخبار رئيس الوزراء نتنياهو منذ ما يقارب عقدًا من الزمن، وجلست معه عشرات المرات، وشاهدته في الواقع مرات لا تُحصى، ولا أذكر أنه ظهر بهذا الشكل من قبل". ثم وصفه بأنه بدا "متعبًا للغاية، منحنيًا، وكتفاه متدليتان، بدون ربطة عنق، وفي وضعية جلوس غير معتادة".
في معاريف ، كتب شلومو شامير، الصحفي والمحلل المخضرم في الشؤون الأمريكية والإسرائيلية، أن مقابلة CBS أظهرت "زعيما فقد صلته بالواقع"، ورأى أن نتنياهو "بدا كرجل عجوز متعب"، ولم يقدم جديدا، رغم أن المقابلة كانت فرصة لمخاطبة الجمهور الأمريكي والإسرائيلي معا.
ورأى الكاتب أن "أبرز ما لفت الانتباه في المقابلة هو تجاهل نتنياهو التام للتحركات ضد إيران، والتي يبادر بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب"، وحسب قراءته، فإن ترامب يتحرك باتجاه علاقات مع إيران وروسيا والصين، وهي دول يصفها شامير بأنها "محور معاد لإسرائيل بطبيعته"، ومع ذلك "لم ينبس نتنياهو ببنت شفة".
المفارقة، كما يذكّر شامير، أن نتنياهو لم يتردد في مهاجمة باراك أوباما عام 2016 من قلب واشنطن بسبب الاتفاق النووي، لكنه يصمت اليوم أمام ترامب. لذلك يرى الكاتب أن المشكلة ليست فقط في مقابلة ضعيفة، بل في بوصلة سياسية مضطربة: نتنياهو الذي كسر تقليد الدعم الحزبي المشترك لإسرائيل في الكونغرس، بات يتعامل مع ترامب كما لو كان "إلها"، حسب تعبير شامير.
وفي يديعوت أحرونوت ، ركز إيتامار إيخنر، مراسل الشؤون السياسية والدبلوماسية، على تناقض جوهري في رواية نتنياهو عن إيران. ففي يونيو/حزيران 2025، قال نتنياهو بعد عملية "الأسد الصاعد" "لقد وعدت بتدمير المنشآت النووية الإيرانية بأي شكل من الأشكال، وقد وُفي بهذا الوعد"، لكنه عاد في مقابلة 2026 ليقول: "لم ينته الأمر بعد، فهناك مواد نووية يجب إزالتها من إيران، ولا تزال هناك مواقع نووية يجب تحييدها".
أما ملف 7 أكتوبر/تشرين الأول، فبقي الثقب الأسود في المقابلة، فيرتر أشار إلى أن نتنياهو "تنصل من أي مسؤولية شخصية"، وحين سئل كيف بقي وحده بعدما استقال قادة أمنيون وسياسيون تحملوا المسؤولية، أجاب "قالوا إنهم يتحملون المسؤولية، ولكن ماذا يعني ذلك؟ ماذا تعني المسؤولية؟".
هذا التصريح يكثف جوهر الأزمة عن رئيس حكومة يريد البقاء فوق الحساب، بينما تطال تبعات الفشل الدولة والجيش والمجتمع، وفي مقابل قادة أمنيين غادروا مواقعهم أو اعترفوا بالإخفاق، يصر نتنياهو على تحويل المسؤولية إلى سؤال لغوي مفتوح، لا إلى فعل سياسي أو أخلاقي واضح حسب الكاتب.
وتكشف قراءات هآرتس ومعاريف ويديعوت أحرونوت، إضافة إلى ملاحظة يانير كوزين في إذاعة الجيش، أن مقابلة نتنياهو لم تعد تناقش كظهور إعلامي، بل كأعراض مرحلة.
فعند غونين، نحن أمام نظام يتفكك تدريجيا، أما عند فيرتر وكوزين، فأمام زعيم تطرح هيئته وصحته سؤال الأهلية، وعند شامير، أمام رئيس حكومة فقد بوصلته أمام ترامب والتحولات الأمريكية، وعند إيخنر، أمام خطاب نصر يتبدل كلما فرض الواقع جولة جديدة من الحرب.
وما ظهر على شاشة سي بي إس كان شيئا آخر صورة زعيم مثقل بالحروب، متردد أمام المسؤولية، مطارد بتناقضات إنجازاته المعلنة، ومحاط بسؤال لم يعد بالإمكان تأجيله: هل فقد نتنياهو البوصلة وحده، أم أن النظام الذي بناه حول شخصه بدأ يترنح فعلا؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة