شهدت قمة "المجموعة السياسية الأوروبية"، المنعقدة في أرمينيا اليوم الاثنين، تأكيد القادة الأوروبيين ضرورة تولي أوروبا مسؤولية أمنها بنفسها، معتبرين قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المفاجئ بسحب آلاف الجنود الأمريكيين من ألمانيا مؤشرا جديدا على ذلك، في حين أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني -الذي يشارك في القمة لأول مرة- أن بلاده وأوروبا "ليستا محكومتين بالخضوع لنظام عالمي وحشي جديد".
وفي الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الحرب الأمريكية ( البنتاغون) الأسبوع الماضي أنها ستسحب نحو 5 آلاف جندي من ألمانيا، صرح ترمب للصحفيين السبت الماضي: "سنخفض العدد خفضا كبيرا، وسنخفضه إلى ما هو أكثر من 5 آلاف جندي".
ولم يُقدّم ترمب سببا لهذه الخطوة، التي فاجأت حلف شمال الأطلسي ( الناتو)، غير أن قراره جاء وسط تصاعد الخلاف مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس حول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وغضب ترمب من تردد الحلفاء الأوروبيين في التدخل في الصراع في الشرق الأوسط.
وردا على سؤال عن القرار الأمريكي، قال رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور: "لن أبالغ في ذلك، لأنني أعتقد أننا نتوقع أن تتولى أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها".
وأضاف للصحفيين، في العاصمة الأرمينية يريفان، حيث عقد القادة الأوروبيون القمة اليوم، "لا أرى هذه الأرقام مثيرة للقلق، ولكن أعتقد أنه ينبغي التعامل معها بتناغم ضمن إطار حلف الناتو".
من جهته، قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر: "لا شك لدي في ضرورة وجود عنصر أوروبي أقوى في حلف الناتو"، وأبلغ شركاءه الأوروبيين بأن هناك "توترا أكبر في بعض تحالفاتهم الدولية مما ينبغي، ومن المهم جدا أن نتصدى لهذا الأمر".
وفي تصريح مفاجئ، قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي إن "الحديث عن سحب القوات الأمريكية من أوروبا كان يدور منذ فترة طويلة، لكن -بالطبع- جاء توقيت هذا الإعلان مفاجئا ل يُظهر ضرورة تعزيز الركيزة الأوروبية في حلف الناتو".
وعند سؤالها عما إذا كانت تعتقد أن ترمب يحاول معاقبة المستشار الألماني الذي صرح بأن إيران أهانته في محادثات إنهاء الحرب، قالت كالاس: "لا أعرف ما يدور في ذهن الرئيس ترمب ، لذا عليه أن يُفسّر ذلك بنفسه".
على الصعيد ذاته، أكد الأمين العام لحلف الناتو مارك روته أن الأوروبيين "استمعوا" إلى رسالة الإحباط التي بعث بها الرئيس الأمريكي بشأن الحرب مع إيران، وأنهم "يضاعفون تحركهم"، وذلك بعد إعلان واشنطن عزمها سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا.
وقال روته -قبيل بدء قمة "المجموعة السياسية الأوروبية" المنعقدة في يريفان- إن "القادة الأوروبيين تلقّوا الرسالة. لقد فهموا الرسالة بوضوح تام"، مقِرّا بوجود "خيبة أمل لدى الجانب الأمريكي" إزاء رفض الحلفاء الأوروبيين الانضمام إلى الحرب.
وأضاف قبيل الاجتماع، الذي تهيمن عليه تهديدات أمنية مزدوجة متمثلة في الحربين في أوكرانيا والشرق الأوسط، أن "الأوروبيين يضاعفون تحركهم: بدور أوسع لأوروبا وحلف أطلسي أكثر قوة".
وتابع روته "نرى الآن كل هذه الدول تشارك عبر اتفاقاتها الثنائية لضمان تلبية متطلبات التموضع وكل أشكال الدعم اللوجستي".
والجدير بالذكر أن فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة رفضت منح القوات الأمريكية حرية استخدام القواعد الموجودة على أراضيها لمهاجمة إيران، كما رفضت إسبانيا استخدام مجالها الجوي وقواعدها في الحرب.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لإعادة فتح مضيق هرمز، فهذا أمر رائع. هذا ما طالبنا به منذ البداية"، لكنه أكد أن الأوروبيين غير مستعدين للمشاركة في أي عملية "لا تبدو واضحة".
من جانبه، اعتبر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، خلال قمة المجموعة السياسية الأوروبية في أرمينيا، أن أوروبا وكندا ليستا محكومتين بالخضوع لنظام دولي "وحشي" جديد.
وقال كارني، وهو أول ضيف من خارج أوروبا يشارك في القمة الأوروبية، "لا نعتقد أننا محكومون بالخضوع لعالم أكثر نفعية وانعزالا ووحشية، واجتماعات كهذه تُتيح لنا مسارا آخر".
وفي خطاب ألقاه في وقت سابق من هذا العام، حثّ كارني القوى المتوسطة النفوذ على التكاتف في مواجهة واقع عالمي جديد تطبعه منافسة القوى الكبرى و"تآكل" النظام الدولي القائم على القواعد.
وفي ما يمثّل إشارة إلى التقارب المتزايد بين أوتاوا وأوروبا، الذي عزّزته سياسات ترمب، رأى مسؤول أوروبي -طلب عدم الكشف عن هويته- أن "لدى كندا رؤية في مقاربة شؤون العالم وسبل معالجة التحديات الراهنة، وهي رؤية تتقاطع إلى حدّ كبير مع الرؤية الأوروبية".
وقال مسؤول رفيع في الاتحاد الأوروبي: "باختصار، ستتيح القمّة فرصة للتشديد على أن أمن أوروبا يشكّل تحديا شاملا من جميع الاتجاهات"، وكما هي حال أوروبا، تضرّر الاقتصاد الكندي من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب.
يذكر أن "المجموعة السياسية الأوروبية" (منتدى سياسي يُعقد مرتين سنويا) أُنشئت بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2022 ردّا على الحرب التي تخوضها روسيا مع أوكرانيا.
وإضافة إلى دول الاتحاد الأوروبي، يجمع المنتدى في هذه الدورة 21 دولة أخرى من ألبانيا إلى بريطانيا، علما أنه لا قرارات ملموسة تصدر عن الاجتماع، وإن كانت تتيح للقادة فرصة لتبادل الآراء في جلسات مشتركة وثنائية.
وكان يُرتقب انضمام رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى اجتماع اليوم الاثنين، غير أن خللا تقنيا في طائرته اضطرّه إلى الهبوط في تركيا وقضاء الليلة في أنقرة.
وتُعدّ قمة يريفان الأولى من نوعها في منطقة القوقاز، وفي وقت تعمل فيه أرمينيا على تعزيز علاقاتها مع أوروبا وتخفيف ارتهانها لروسيا.
وسيتبع الاجتماع غدا الثلاثاء قمّة بين الاتحاد الأوروبي وأرمينيا بمشاركة كبار مسؤولي التكتّل: رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، التي وصفت القمة بأنها "محطة مفصلية كبرى" في مسار تقارب يريفان وبروكسل.
وشهدت العلاقات بين يريفان وحليفتها التقليدية موسكو توترا ازداد حدّة خلال السنوات الأخيرة، ويعود جزئيا إلى فشل قوات حفظ السلام الروسية في التدخل خلال النزاعات العسكرية مع أذربيجان المجاورة.
وفي ظلّ حكومة رئيس الوزراء نيكول باشينيان، انتهجت أرمينيا رسميا ما يصفه الأخير بسياسة "التنويع"، إذ تسعى إلى نسج علاقات متوازنة مع كل من روسيا والغرب.
وقال كوستا إن الاتحاد الأوروبي يتطلع إلى "تعميق هذه العلاقة" مع الدولة التي يبلغ عدد سكانها نحو 3 ملايين نسمة، والتي وقّعت اتفاق شراكة شاملة مع الاتحاد عام 2017، وأعلنت العام الماضي نيّتها التقدّم بطلب للانضمام إلى عضوية التكتل.
وسبق أن أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه يشعر "بالهدوء التام" إزاء مساعي أرمينيا للتقارب مع أوروبا، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن الجمع بين العضوية في الاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تقوده روسيا "أمر مستحيل ببساطة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة