مع اتساع رقعة السودان وصعوبة السيطرة على حدوده، شكّلت حرب أبريل /نيسان 2023 نقطة تحوّل هامة، أعادت رسم موازين النفوذ ومهدت الطريق أمام توسع الأنشطة غير المشروعة، وخاصة تجارة المخدرات.
وقال د. طارق عبد الله، رئيس جمعية صحفيون ضد الجريمة، لـ DW عربية: "أن المخدرات في السودان تمثل مشكلة كبيرة، إذ تعد البلاد مصدرًا للحشيش الزراعي ، مع انتشار واسع في معظم ولايات دارفور، وصولًا إلى حدود إفريقيا الوسطى وجنوب النيل الأزرق. كما أصبح السودان دولة معبر للمخدرات المصنعة، مثل الكبتاغون والهيروين والكاويين، مع ظهور أسماء جديدة في السوق مثل الأيس."
وأضاف عبد الله:"كانت أسعار المخدرات مرتفعة في السابق، لكن مع تطور أساليب التصنيع، أصبحت أكثر انتشارًا في السودان واستوطنت في البلاد. كما حاولت العصابات تخفيض الأسعار لتوسيع نطاق التوزيع، وافتتحت مصانع جديدة ، مما أدى إلى توافر المخدرات بأسعار زهيدة."
وفي هذا السياق، دعت الحكومة السودانية مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) إلى إعداد برنامج استجابة طارئة يتماشى مع الأوضاع الراهنة في البلاد، مع توفير دعم لوجستي عاجل لتعويض الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية الرقابية جراء التدمير الممنهج لمؤسسات الدولة.
وجاء ذلك في بيان قدّمه مجدي أحمد مفضل، المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في فيينا، أمام أعمال الدورة التاسعة والستين للجنة المخدرات، حيث أكد التزام السودان الكامل بتعزيز التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين لمكافحة مشكلة المخدرات العالمية، وفقًا لوكالة الأنباء سونا.
في ظل الفوضى الأمنية بعد حرب أبريل/ نيسان 2023، أصبح السودان بيئة خصبة لتوسع تجارة المخدرات وانتشارها بين الشباب. ويرى غاندي إبراهيم، كاتب صحفي وناشط سياسي لـ DW عربية، أن الانتشار الكبير للمخدرات يعود لسببين رئيسيين:
الأول، سيطرة مليشيا الدعم السريع على الخرطوم والجزيرة وسنار، حيث أدخلت كميات ضخمة من المخدرات وفتحت لها الأسواق. والثاني ،بعد طرد المليشيا، ساهم بعض المستنفرين الذين يرتدون زي القوات المسلحة ، بالإضافة إلى عناصر من القوات المساندة، في توزيع المخدرات بين الشباب، مدعين انتماءهم للقوات المشتركة.
وأشار عبد الله إلى أن غياب الرقابة في عدد من الولايات سمح للتجار ببيع المخدرات علنًا، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الإدمان في تلك المناطق.
يشير معهد نيو لاينز إلى أنه مع تراجع الإنتاج السوري للكبتاجون، بدأ السودان يظهر كمركز ناشئ لتصنيع هذه المخدرات.
وقد رُصدت خلال السنوات الأخيرة مصانع في مناطق مثل جبل أولياء وولاية النيل الأزرق، إلا أن أكبر هذه المصانع يتركز حاليًا في الجيلي منذ تصاعد القتال بين الجيش و مليشيات الدعم السريع في أبريل 2023.
وأكد عبد الله أن السودان أصبح وجهة للعصابات الدولية قبل تمرد الدعم السريع، حيث اعتمدت العديد من الحركات في تمويل أنشطتها على الاتجار بالمخدرات وخاصة الدعم السريع ، وفي مناطق سيطرة الدعم السريع، التي شهدت زراعة الحشيش كمحصول عادي، دون اكتراث بأنه نشاط محظور دوليًا.
وذكر عبد الله أن جزءًا من سوق الكبتاجون تحول نحو السودان، حيث تُمرّر البضائع القادمة من سوريا والمتجهة إلى السعودية عبر الأراضي السودانية. ورغم المسافة الطويلة، تمتلك العصابات إمكانيات كبيرة لتسهيل التهريب، إلا أن القانون الدولي للمخدرات يسمح بضبط هذه الشبكات، خاصة عند وصولها إلى السعودية، حيث يتم توقيف المتورطين ومحاكمتهم.
وأوضح أن محاولات بعض العصابات لاختصار المسار أو تصنيع المخدرات الكبتاغون داخل السودان لم تثبت نجاحها حتى الآن، ضبطها من الجهات الأمنية ، ولم يثبت حتى الآن تصدير أي مصنع من السودان، وما تم ضبطه يقتصر على محاولات تهريب.
وأضاف عبد الله أن السودان لن يكون بديلاً عن سوريا في تصنيع المخدرات، نظرًا لتنسيق الأجهزة الأمنية والمخابراتي الكامل وجهود القوات النظامية لمكافحتها. كما أن المجتمع السوداني لا يتسامح مع إنتاج المخدرات، حيث يشكل الشباب غالبية المستهدفين لتعاطيها أو شرائها. ورغم الوضع الصعب في البلاد، فإن الضبط والرقابة على المحاولات مستمر، خصوصًا فيما يتعلق بمحاولات تهريب المخدرات عبر السودان.
يُعد الكبتاغون من أخطر الحبوب المنشطة ، وينتمي إلى فئة الأمفيتامينات. ويعرف أحيانًا باسم "مخدر الحروب" بسبب قوته العالية وإمكانية الإدمان الكبيرة، ومع انتشار أسماء مثل "أبو هلالين" و"أبو قوسين" و"حبوب لجه"، يبقى خطره كبيرًا على الجسم والعقل.
وثق تقرير مرصد الشفافية والسياسات السوداني (STPT) في مارس /آذار 2026 تحول السودان من مجرد ممر عبور للكبتاجون إلى مركز تصنيع ناشئ، مع ضبط عدة مختبرات وزيادة القدرة الإنتاجية منذ حرب أبريل 2023. وأكد التقرير أن الموقع الاستراتيجي عبر البحر الأحمر يسهل وصول المخدرات إلى أسواق الخليج، في ظل بيئة أمنية هشة وتفتت السلطة.
أشار ، أمية يوسف، الخبير الاستراتيجي لـ DW عربية إلى أن ظروف الحرب فتحت المجال أمام انتشار المخدرات والخمور حتى في المناطق التي تبدو آمنة نسبيًا، نتيجة ضعف الرقابة، وارتفاع البطالة، وتراجع دور الأسرة والمجتمع في ضبط السلوك. وأوضحت أن المراهقين هم الأكثر عرضة للتعاطي، إذ يبدأ الأمر غالبًا بدافع التجربة ضمن مجموعات الأقران، ثم يتحول تدريجيًا إلى إدمان، فيما يُستغل بعضهم أحيانًا للترويج مقابل الحصول على المخدرات، ما يشكل تهديدًا مباشرًا لمستقبل المجتمع.
وأضاف يوسف أن الظواهر تتفاقم في مناطق النزوح واللجوء، حيث يؤدي النزوح القسري إلى ارتفاع التوتر الأسري والتفكك الاجتماعي نتيجة فقدان الدخل والاستقرار والسكن والخدمات الأساسية. كما تسهم البطالة وانتشار الشلليات في إضعاف دور الأسرة والمدرسة في التوجيه، مما يجعل الشباب أكثر عرضة للانحراف والانجراف نحو بيئات غير آمنة اجتماعيًا وقيميًا.
ويشير مراقبون إلى أن تصاعد النفوذ المحلي والدولي للشبكات الإجرامية يجعل التحدي الأكبر أمام الدولة والمجتمع هو تعزيز الرقابة، وحماية الشباب من الانزلاق في فخ الإدمان، واستعادة السيطرة على الحدود والمنافذ الاستراتيجية لمنع تحوّل السودان إلى بؤرة دائمة للأنشطة غير المشروعة.
تحرير: عادل الشروعات
المصدر:
DW