آخر الأخبار

أسباب استهداف إسرائيل للبيت الفلسطيني في الضفة الغربية

شارك

رام الله- مضى أسبوع على هدم منزل المواطن إبراهيم قدح إضافة إلى منزلي شقيقيه خالد وفرح، في بلدة شقبا غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية. ومنذ ذلك الوقت، يذهب إبراهيم كل يوم عدة مرات يقف أمام ركام بيت العمر الذي أمضى أكثر من 9 سنوات في تجهيزه.

وعلى الركام رفقة صديقه، تحدث إبراهيم للجزيرة نت عن القهر الذي عايشه فجر الأربعاء 21 يناير/كانون الثاني الجاري، بينما كانت قوات الاحتلال تجبره على إخلاء المنزل خلال 10 دقائق، لتحوّل حياته المريحة وعائلته في قصر من 3 طوابق إلى حالة الشتات، وتهدم تعب عمره في بضع ساعات.

وأوضح "بدأت وإخوتي بناء البيوت الثلاثة معا عام 2008، وأخبرنا ضابط المنطقة الإسرائيلي حينها أن البناء في هذا المكان مسموح، وكان الوالد قبل وفاته قد استخرج كافة الوثائق والتراخيص الرسمية، وحين انتهينا في 2011، جاء الضابط نفسه وسلّمنا إخطارا بوقف البناء، ومن وقتها بدأت رحلتنا في المحاكم الإسرائيلية ضد هذا القرار".

هدم واستنزاف

وحتى اللحظات الأخيرة قبيل الهدم، بقي إبراهيم على أمل أن يستطيع حماية صغاره من فقدان بيتهم وخسارة ذكرياتهم، فلم يتوقف عن التواصل مع المحامين وإبراز القرارات القضائية في وجه جنود الاحتلال، لكنهم أجبروه على الإخلاء.

حينها، وصفت هند مصلح حال زوجها، قائلة "كان همه الوحيد في تلك اللحظة ألا يخاف طفلانا التوأمان (عامان ونصف عام)، وألا يرى الأولاد منظر جيش الاحتلال وهو يهدم المنزل".

وأضافت للجزيرة نت: "كل يوم يستيقظ أطفالي ويسألون أين دارنا؟ وأصعب المواقف في أثناء الهدم الذي استمر لساعات، كان طفلي سالم يقول لي يلّا على دارنا (نريد الذهاب لمنزلنا)، لم أستطع أن أفعل شيئا سوى البكاء، كل من كانوا حولي بكوا".

مصدر الصورة ركام منازل الأشقاء إبراهيم وخالد وفرح قدح التي هدمها الاحتلال في قرية شقبا بحجة البناء دون ترخيص (الجزيرة)

وكان الاحتلال قد أخطر في أكتوبر/تشرين الأول 2024 الأشقاء الثلاثة بهدم منازلهم. وفي المرحلة الأخيرة من المرافعات أمام المحاكم خلال 2024 و2025، أُجبروا على دفع أكثر من 400 ألف شيكل (الدولار يساوي 3.08 شيكلات) في محاولة للحصول على قرار بإلغاء الهدم من المحكمة العليا الإسرائيلية التي أقرّت جلسة نهائية بتاريخ 25 يناير/كانون الثاني الجاري، غير أن جيش الاحتلال دهم المنازل وشرّد سكانها قبل ذلك بـ4 أيام.

إعلان

وأشار قدح إلى أن محاميا خاصا تولى ملف القضية، وأن قرارا صدر بتجميد الهدم إلى حين صدور قرار نهائي من المحكمة العليا، التي اشترطت على المحامي -للنظر في الملف- دفع 30 ألف شيكل عن كل بيت، "متذرعين بأن من يستطيع بناء هذه المنازل يمكنه دفع هذه المبالغ".

وبذل الأشقاء الثلاثة حتى اللحظات الأخيرة كل ما يستطيعون لتجنيب عوائلهم هذه الكارثة، لكن جيش الاحتلال لم يستجب وطردهم من المكان، وأطلق قنابل الغاز المسيل للدموع تجاههم وعلى أهالي البلدة الذين تهافتوا لمساعدتهم ومحاولة إنقاذ ما يمكن من الأثاث، لكن الاحتلال منعهم، وهدم المنازل أمام أعين أصحابها والأهالي، "في أحد أكثر المشاهد قهرا"، كما وصفها شهود عيان.

فقدان الأمان

وزارت الجزيرة نت هند مصلح -زوجة إبراهيم- وأطفالها، في بيت أقارب العائلة، حيث لا تزال تحاول هذه الأسرة استجماع قواها وبناء حياتها من الصفر. وقالت هند إن ضياع البيت بالنسبة لها يعني فقدان الأمان، وإنها لا تزال تحتاج إلى وقت وجهد لتسترد هذا الشعور الذي لم تعد قادرة على منحه لأطفالها بصورة كاملة.

وأضافت للجزيرة نت: "أحيانا كثيرة حين أبكي وتشاهدني طفلتاي -أيام وغنى- تتجنبان الاقتراب مني، أما طفلي سالم ووسيم، فيبكيان، وسيم صامت تماما وسالم لا يتوقف عن السؤال: أين دارنا؟ اليهود طخونا، أما غنى (6 سنوات)، فتلتزم الصمت وترفض أي حديث عن بيتهم أو الذهاب لرؤية ركامه، وتنغمس بالاستمتاع بلعبة البيت التي نجحت في إخراجها من المنزل قبل هدمه".

ووصفت اللحظات الأولى لطفلتيها حين رأتا والدهما بعد الهدم، قائلة "كلتاهما حضنته، وأجهشت بالبكاء بحرقة بينما كان يحاول التخفيف عنهما بقوله: لا بأس يا أبي، سأبني غيره".

مصدر الصورة غنى ووسيم إبراهيم قدح في منزل أقاربهم بعد هدم منزلهم (الجزيرة)

مأوى وهوية

تعليقا على ذلك، قالت الاختصاصية النفسية تسنيم جبران للجزيرة نت "بالنسبة للفلسطيني، فإن تمسّكه المستميت بالبيت ليس فقط لأنه مصدر الأمان الأساسي لأي إنسان، ولكنه أيضا ارتباط وثيق بالأرض في ظل الشعور الدائم بالتهديد من الاحتلال"، وبالتالي فهو مكان يلوذ إليه ليعيش بعضا من الأمان في زمن كل شيء فيه يهدد وجوده.

وأوضحت "أننا -نحن الفلسطينيين- نصارع للحفاظ على أمننا النفسي، الذي هو من أهم حاجات الإنسان وأهم دوافع السلوك لديه، وتهديد هذا الجانب يخلق خوفا وتوترا وقلقا يوميا، يُفقد الإنسان الشعور بالراحة وفهم ذاته، والذي ينطلق من الشعور بالاستقرار الذي يبدأ من البيت".

ويُعد المنزل بالنسبة للفلسطيني مكانا تتشكل فيه هويته وذكرياته وأحلامه وحتى خيبات أمله، ومن هنا ترى جبران أن استهداف الاحتلال المكثف للبيوت بهدمها ليس استهدافا فقط للبنية العمرانية، بل يمتد إلى محاولة هدم الرابطة بين الأبناء والآباء التي تقوم على الحماية، إذ تظهرهم عملية الهدم أمام أطفالهم بمظهر "العاجز عن القدرة على الحماية".

وأكدت أن مناعة الفلسطينيين في مواجهة هذا الهدم الممنهج لكافة مكونات وجودهم، بما فيها الروابط الحميمة داخل البيوت، تنبع من نمط التنشئة لديهم كمجتمع فلسطيني يمنح الأرض معناها وفضيلة الثبات بها، وهو "ما يدفعنا لأن نتمسك أكثر كلما تعرضنا للأذى أكثر".

إعلان

وذكر تقرير صدر عن هيئة الجدار والاستيطان الفلسطينية، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن الاحتلال درس منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، نحو 355 مخططا هيكليا لبناء 37 ألفا و415 وحدة استيطانية بالضفة الغربية والقدس، وهدم في المقابل 3679 منشأة فلسطينية، بينها 1288 منزلا مأهولا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا