آخر الأخبار

لماذا تعارض السعودية تمزيق دول المنطقة؟ | الحرة

شارك

برزت قضايا الانفصال والتقسيم كأحد أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط، مع عودة النقاش حول حدود الدول ووحدة أراضيها في أكثر من ساحة، من القرن الإفريقي إلى اليمن والسودان.

وفي خضم هذه التحولات، لفتت السعودية الأنظار بوصفها أحد أكثر الأطراف الإقليمية انخراطا في رفض المشاريع الانفصالية، سواء عبر مواقف رسمية مباشرة أو من خلال تحركات دبلوماسية هدفت إلى تنسيق مواقف عربية وإسلامية واسعة.

هذا الانخراط المتكرر جعل ملف الانفصال يحتل موقعا متقدما في ملفات السياسة الخارجية للسعودية، في وقت لا يحظى فيه المستوى نفسه من الاهتمام لدى عدد من دول المنطقة. هل يتعلق الأمر بحسابات أمنية مرتبطة بالجغرافيا وحدود المملكة؟ أم بمخاوف أوسع تتصل بإعادة رسم خرائط النفوذ في الإقليم؟

“صوماليلاند”

ظهر هذا التوجه بوضوح مطلع هذا العام، بعد إعلان “الاعتراف المتبادل” بين إسرائيل وإقليم أرض صوماليلاند.

خلال ساعات، أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانا قالت فيه إن المملكة تقدم دعمها “الكامل لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدة وسلامة أراضيها”، ورفضها “أي إجراءات أحادية تتعارض مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية”.

وسرعان ما انتقل الموقف من الإطار الوطني إلى تحرك متعدد الأطراف. أصدرت دول إسلامية، بينها مصر وتركيا وإيران والأردن، بيانا مشتركا، عدت فيه إلى رفض الاعتراف بالإقليم كدولة مستقلة. وشاركت قطر والكويت في البيان، فيما غابت بقية دول الخليج، في مؤشر على تفاوت في مستوى الاهتمام السياسي بهذا الملف داخل المنطقة.

لاحقا، دعت الرياض إلى تنسيق المواقف داخل المنظمات الدولية لتأكيد وحدة الصومال ومنع تكريس أي سابقة انفصالية جديدة. وفي هذا السياق، زار وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان القاهرة، حيث التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وأكدت البيانات الصادرة عقب اللقاء على أولوية الحلول السياسية التي تحافظ على وحدة الدول ومؤسساتها.

ويرى دبلوماسيون ومحللون تحدثوا مع “الحرة” أن هذا المسار يعكس نمطا بات ثابتا في السياسة السعودية تجاه قضايا الانقسام. ففي اليمن، سبق للرياض أن قادت تحركات سياسية انتهت بإعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي من العاصمة السعودية، في خطوة استهدفت وقف مسار انفصالي كانت تعتبره تهديدا مباشرا لوحدة البلاد واستقرارها.

“تفكك الدول تهديد مباشر”

يقول الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور خالد باطرفي إن الموقف السعودي “ينطلق من قناعة تعتبر أن تفكك الدول العربية والإسلامية يشكل تهديدا مباشرا لأمن المنطقة وللأمن القومي السعودي”. ويضيف أن التجربة خلال العقود الماضية أظهرت أن “الدول الهشة أو المنقسمة تتحول سريعا إلى ساحات صراع بالوكالة، ومناطق مفتوحة لنشاط الجماعات المتطرفة، ونقاط جذب لتدخلات إقليمية ودولية”.

ويرى باطرفي أن الرياض لا تنظر إلى مشاريع الانفصال في حالات مثل جنوب اليمن أو أرض صوماليلاند بوصفها حلولا داخلية لأزمات الحكم، بل “كأدوات جيوسياسية تُستخدم لإعادة تشكيل خرائط النفوذ، خصوصا في المناطق المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن”.

وبحسب هذا التصور، فإن مخاطر التقسيم لا تقتصر على حدود الدولة المعنية، بل تمتد إلى البيئة الأمنية الأوسع. ويشرح باطرفي أن الكيانات الجديدة غالبا ما تعاني ضعف المؤسسات والشرعية، ما يجعلها عرضة للاختراق من جانب جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة، ويحوّل السواحل والممرات البحرية إلى نقاط هشّة تهدد أمن الملاحة.

ويضيف أن تقسيم الدول المطلة على البحر الأحمر يعني عمليا فتح الباب أمام تدويل أمنه وإدخال أطراف غير إقليمية كلاعبين مباشرين، “وهو ما يتعارض مع الرؤية السعودية التي تعتبر البحر الأحمر عمقا عربيا وإسلاميا يجب تحصينه”. أما سياسيا، فيحذر من أن نجاح أي نموذج انفصالي يشكل سابقة قابلة للتكرار، قد تشجع حركات مماثلة في دول أخرى، وتفتح سلسلة ممتدة من النزاعات.

تباين خليجي وإقليمي

في المقابل، لا تظهر جميع دول الخليج أو المنطقة الحماسة ذاتها تجاه هذا الملف. ويعزو باطرفي هذا التفاوت إلى اختلاف الأولويات والمواقع. فبعض الدول تتعامل مع قضايا الانقسام من زاوية تكتيكية مرتبطة بالنفوذ أو بالموانئ أو بأوراق ضغط ظرفية. أما السعودية، فيقول إنها تنطلق من منظور أطول مدى يرى أن “أي تفكيك في محيطها العربي سيعود عاجلا أو آجلا كتهديد مباشر لأمنها واستقرارها”.

ويضيف أن طول الحدود البرية للمملكة مع بؤر أزمات، إلى جانب ثقلها السياسي والديني، يجعلها أكثر عرضة لتداعيات أي فوضى إقليمية. “هذا ما يفسر تصدرها حشد المواقف الرافضة للتقسيم، انطلاقا من قناعة بأن استقرار الإقليم لا يُبنى على كيانات ضعيفة أو مجزأة”.

تحولات أمنية موازية

يتزامن هذا التشدد السعودي مع تحركات أوسع لإعادة ترتيب أدوات إدارة الأمن الإقليمي. ففي سبتمبر 2025، وقعت السعودية وباكستان اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك، نصت على اعتبار أي هجوم مسلح على أحد الطرفين تهديدا للطرف الآخر. واكتسبت الاتفاقية أهمية خاصة في ظل القدرات العسكرية الباكستانية وما تمثله من وزن ردعي في الحسابات الإقليمية.

ولا تزال تفاصيل الاتفاقية محدودة، لكن تقارير دولية تحدثت لاحقا عن اهتمام تركي بالانضمام إلى هذا الإطار، في خطوة قد تمهد لتشكل صيغة أمنية ثلاثية ذات تأثير محتمل على موازين القوى في الشرق الأوسط ومحيطه.

ويرى محللون أن هذا المسار يعكس إدراكا سعوديا بأن البيئة الإقليمية تدخل مرحلة أعلى من السيولة وعدم اليقين، مع تراجع بعض الضمانات التقليدية، وتصاعد أدوار قوى إقليمية ودولية في ساحات قريبة من حدود المملكة وممراتها الحيوية.

الجغرافيا والسياسة

ويربط الباحث الدكتور أحمد دهشان الموقف السعودي بجذور أعمق في السياسة الخارجية للمملكة. ويقول إن السعودية تنطلق من تصور يعتبر أن “الوحدة ركيزة أساسية للاستقرار والقوة”، مشيرا إلى أن قيام الدولة السعودية الحديثة على فكرة التوحيد ترك أثرًا واضحًا في مقاربتها الإقليمية.

ويوضح دهشان أن المملكة لا ترفض مبدأ الانفصال بصورة مطلقة، إذا جاء في إطار قانوني واضح وإرادة شعبية لا لبس فيها. لكن الإشكالية، بحسب قوله، تظهر عندما تُفرض مشاريع الانفصال بالقوة أو بدعم خارجي، خارج قواعد القانون الدولي. “التجربة أثبتت أن الدول المنقسمة أو الهشة تتحول سريعا إلى ساحات صراع بالوكالة ومناطق مفتوحة للتطرف والتدخلات”.

ويربط دهشان بين موقف السعودية من ملفات مثل اليمن والصومال واعتبارات الجغرافيا السياسية المباشرة. فاليمن، بحكم الجوار والامتدادات القبلية والاجتماعية، يمثل عمقا أمنيا لا يمكن فصله عن الداخل السعودي. أما موقع صوماليلاند المشرف على خليج عدن ومضيق باب المندب والبحر الأحمر، فيجعل أي اضطراب فيه عامل ضغط مباشر على أمن الملاحة وعلى مشاريع اقتصادية سعودية مرتبطة برؤية 2030.

ويضيف أن الخطر لا يكمن في التقسيم بوصفه نتيجة محتملة لصراعات داخلية، بل في “مشاريع تفكيك تُدار من الخارج وتُفرض دون توافق داخلي”، ما يحول الكيانات الناتجة عنها إلى أدوات ضغط وبؤر توتر تعرقل مسارات الاستقرار والتنمية.

خيار استراتيجي طويل المدى

تُظهر التحركات السعودية خلال الأعوام الأخيرة أن رفض مشاريع الانفصال لم يعد مجرد موقف مرتبط بأزمة محددة، بل بات جزءا من تصور أوسع لإدارة المخاطر الإقليمية. فالمملكة تجمع بين قراءة أمنية مباشرة لما يمس حدودها وممراتها الحيوية، ورؤية سياسية تعتبر أن أي سابقة تقسيمية جديدة قد تفتح الباب أمام موجة طويلة من عدم الاستقرار تمتد آثارها إلى عمق الخليج والجزيرة العربية

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا