بعد عام على سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، لا تزال الأرض السورية تخفي تحتها آلاف القصص، وتبدو كشاهد مثقل بالأسرار، حيث لا يزال عشرات آلاف الأشخاص في عداد المفقودين، كثيرون منهم يُعتقد أنهم دُفنوا في مئات المقابر الجماعية غير الموثقة.
وكشف تحقيق ميداني أجرته مراسلة صحيفة إندبندنت البريطانية، بِل ترو، من منطقة السيدة زينب جنوب شرق العاصمة دمشق، أن سوريا لم تبدأ بعد عملية واسعة ومنهجية للبحث عن عشرات الآلاف من المفقودين خلال حكم بشار الأسد والحرب التي استمرت 13 عاما.
"أينما تحفر، تعثر على جثة"
واستعرض التقرير حجم المأساة التي خلفها النظام السابق، حيث لا يزال هناك 181 ألف مفقود. وفي ذلك الحي القريب من دمشق، التقت المراسلة بسجين سياسي سابق يُدعى حمزة البالغ من العمر (42 عاما).
ويقول حمزة، الذي قضى 11 عاما في سجون الأسد: "أينما تحفر، تعثر على جثة"، في إشارة إلى المقابر الجماعية المنتشرة في منطقته، حيث يُعتقد أن نحو ألف شخص دُفنوا في 3 مقابر فقط.
لكن الاكتشافات المروعة لا تتوقف، وآخرها جثة لرجل فخذه مكسورة وأسنانه مهشمة وسلك كهربائي ملتف حول عنقه، وهي علامات دامغة على التعذيب والإعدام. ولم يكن بمقدور الرجلين سوى التقاط الصور للتوثيق، وإقامة صلاة الجنازة، وإبلاغ السلطات.
لو توفرت المعدات والفِرق المناسبة، "لاستطعنا العثور على أكثر من ألف جثة مدفونة في هذا المكان فقط"
وعلق حمزة بأسى قائلا: "ما رأيته في السجون كان عددا لا يوصف من الناس يموتون أو يقتلون"، مضيفا أن "بعض عائلات المفقودين تتشبث بالأمل في أن أحبّاءها لا يزالون على قيد الحياة ومحتجزين في مكان آخر".
ويشير التقرير إلى أن تحديد هوية الضحايا "مهمة شاقة" في بلد يحتاج لإعادة إعمار تفوق كلفته 216 مليار دولار بحسب التقديرات.
ويوضح الدكتور أنس الحوراني، رئيس المركز السوري لتحديد الهوية الجنائية، للصحيفة أن نقص الإمكانيات ومختبرات الحمض النووي يحول دون إجراء عمليات استخراج علمية تضمن عدم خلط رفات الموتى.
ومع ذلك يرى الحوراني في الجهود الجارية "بصيص أمل لعائلات المفقودين.. فمجرد العثور على رفات هو بمثابة حياة جديدة لهذه العائلات".
وفي 17 مايو/أيار الماضي، أصدرت الحكومة السورية الجديدة مرسوما بتشكيل "الهيئة الوطنية للمفقودين"، التي أقرت ببطء عملها وتعقيد الملف. ومن المتوقع إطلاق قاعدة بيانات للمفقودين خلال هذا العام، بينما قد يتأخر نبش المقابر الجماعية حتى عام 2027.
وتسلط ترو الضوء على "إرث قيصر"، المصور المنشق الذي وثق آلاف الضحايا، وكيف أثرت العقوبات المرتبطة بهذا الملف على قدرة المنظمات الدولية في إدخال التكنولوجيا اللازمة لانتشال الجثث.
ومع إلغاء هذه العقوبات مؤخرا، يأمل السوريون في تسريع العملية التي قد لا تبدأ بشكل فعلي وشامل قبل عام 2027، بحسب الهيئة الوطنية للمفقودين.
في موازاة ذلك، يطالب ضحايا النظام السابق بمحاكمات عادلة بإشراف دولي. ويقول فؤاد نعال، الذي اعتُقل لمدة 21 عاما وتعرض لتعذيب قاس شمل احتجاز زوجته وطفلته: "لن أغفر، لكنني لن أنتقم أيضا. كل من تلطخت يداه بالدماء يجب أن يُحاكم".
وقال: "إذا أردنا أن نكون دولة قائمة على القانون والعدالة، فلا بد من إجراء محاكمات عادلة وضمان حقوق المواطنين".
في السيدة زينب، يواصل حمزة مهمته في التعرف على الموتى في المقابر الجماعية التي يعرفها أبناء منطقته. ويقول إنه لو توفرت لهم المعدات والفِرق المناسبة، "لاستطعنا العثور على أكثر من ألف جثة مدفونة في هذا المكان فقط".
أما فؤاد، فيقول وهو يرمق المقابر خلفه بنظرة: "هؤلاء الناس لهم أسماء، ولهم عائلات، وهناك من يهتم لأمرهم. يجب أن تُمنح هذه العائلات الخاتمة التي تستحقها".
ويضيف: "نحتاج إلى العدالة في سوريا الجديدة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة