في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
شهد النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة تحولا لافتا في طبيعة الصراعات وحدود إدارتها، حيث لم تعد الحروب تُحسم، ولا النزاعات تُغلق، بل باتت تُدار في حالة من التعليق الدائم بين الانفجار الكامل والتسوية المؤجلة.
وفي قلب هذا المشهد، برز الدور الأميركي -خاصة في عهد دونالد ترامب- بوصفه نموذجا صارخا لمفارقة القوة حيث تمتلك الولايات المتحدة أدوات الضغط دون امتلاكها القدرة على إنهاء الصراعات.
فقد جاء ترامب إلى السلطة حاملا خطابا واضحا وعدائيا تجاه "الحروب التي لا تنتهي"، ومبشّرا بسياسة خارجية أقل انخراطا، وأكثر تركيزا على المصالح المباشرة.
غير أن الأحداث التي تلت تسلّمه للسلطة كشفت عن نتيجة مغايرة تماما؛ فنحن أمام حرب كبرى بين روسيا وأوكرانيا لم تنتهِ ولم تُسوَّ نزاعات مُزمنة في مناطق جغرافية مختلفة من عالمنا، بل ظهرت بؤر توتر جديدة، وتوسعت دوائر عدم الاستقرار، وازدادت الأزمات تعقيدا على أكثر من صعيد.
لا يكمن جوهر هذه المفارقة في تناقض الخطاب مع الفعل فحسب، بل في تحول أعمق طال وظيفة القوة الأميركية ذاتها. إذ لم تعد الولايات المتحدة قادرة على تعريف ما الذي تسعى إليه على المدى البعيد، ولا على تقديم تصور متماسك لمعنى "الاستقرار"، ولا على رسم نهاية واضحة للصراعات التي تتدخل فيها. وبدلا من أن تكون القوة أداة للحسم أو لإنتاج تسويات مُستدامة، تحولت إلى وسيلة لإدارة التوتر وضبط الانفجار وتأجيل الانهيار؛ دون معالجة الجذور البنيويّة للأزمات المختلفة الطبيعة والسياقات.
يتجلّى هذا التحول بوضوح في منطقتنا، حيث أسهمت السياسات الأميركية في إدارة تصعيد مستمر بلا مسار سياسي نهائي، سواء في الصّراع الفلسطيني الإسرائيلي، أو في التوتر مع إيران، أو في تداعيات الحروب المفتوحة في أكثر من ساحة.
بيد أن خطورة هذا النمط لا تكمن في الإقليم وحده، بل في تعميمه عالميا، من أوروبا الشرقية إلى الساحل الأفريقي، ومرورا بأوروبا الشرقية وآسيا المحيط الهادي ووصولا إلى أميركا اللاتينية، بما يشير إلى دخول النظام الدولي مرحلة يمكن توصيفها بزمن ما بعد اليقين الأميركي؛ زمن تظل فيه القوة حاضرة لكنّ المعنى غائب والإستراتيجية معلّقة.
من هذا المنطلق، ننتقل في تحليلنا اللاحق إلى تفكيك فشل الولايات المتحدة، في عهدة ترامب الثانية خاصة، في وقف الحروب وحل النزاعات، ليس بوصف الفشل سلسلة من الإخفاقات المنفصلة، بل باعتباره ظاهرة بنيوية تعبّر عن أزمة أعمق في إنتاج المعنى الإستراتيجي، وعن انتقال الدور الأميركي من ضامن نسبي للاستقرار إلى مُنتِج مباشر أو غير مباشر لبؤر التوتّر على نطاق عالمي، وهو ما يبدو واضحا من خلال خطابات ترامب وما رفعه من شعارات خلال حملته الانتخابية ثم بعد تسلّمه مقاليد البيت الأبيض.
شكل الخطاب السياسي لدونالد ترامب حول "إنهاء الحروب التي لا تنتهي" أحد أكثر عناصر حملته الانتخابية جاذبية وتأثيرا، سواء أكان ذلك داخل الولايات المتّحدة أم لدى جمهور دولي أنهكته سنوات من التدخلات العسكرية الأميركية الممتدة منذ مطلع الألفية. فقد قدّم ترامب نفسه بوصفه رئيسا "غير تقليدي"، يرفض إرث التدخل الليبرالي، ويعارض الحروب المكلفة التي لا تحقّق -بحسب تعبيره- عائدا مباشرا للمصلحة الأميركية.
ضمن هذا الإطار، لم يكن خطاب إنهاء الحروب مجرّد شعار انتخابي، بل ركيزة تأسيسية في سردية "أميركا أولًا"، التي أعادت تعريف السياسة الخارجية بوصفها أداة لخدمة الداخل بدلا من أن تكون مشروعا لإدارة النظام الدولي. غير أن أهمية هذا الخطاب لا تكمن في مضمونه المُعلن فحسب، بل لأنه شكّل إطارا تصوريا حاولت الإدارة الأميركية من خلاله إعادة شرعنة استخدام القوة التي تحكمها حسابات كلفة ومنفعة ضيقة، وليس لتحقيق أهداف كبرى أو قيم كونية.
ورغم لهجته الانسحابية الظاهرية، لم يقدم "الخطاب الترامبي" تصوّرا واضحا لكيفية إنهاء الحروب فعليا. إذ ظلّ مفهوم "الإنهاء" غامضا، يتأرجح بين الانسحاب العسكري المباشر وتقليص الوجود ونقل العبء إلى الحلفاء، أو الاكتفاء بسياسات ردعية محدودة. لم يكن هذا الغموض تفصيليا، بل بنيويا، إذ عكس غياب رؤية متماسكة حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تفكيك الصراعات، أم الاكتفاء بإدارة تداعياتها بأقل كلفة ممكنة.
عمليا، تحوّل الوعد بإنهاء الحروب إلى إعادة تعريف للتدخل بدل إنهائه. فالقوات قد تنسحب من ساحة لتعود إليها بأدوات أخرى، أو تُستبدل بالحضور العسكري المباشر أشكال من الضغط الاقتصادي، أو الضربات المحدودة، أو إدارة الصراع عبر وكلاء إقليميين. وبذلك، لم يُلغَ منطق التدخل، بل أُفرغ من بعده الإستراتيجي طويل المدى.
هذا، وتكشف متابعة السياسات الفعلية لإدارة ترامب عن فجوة واضحة بين الخطاب المُعلن والنتائج المُتحققة. فلم تشهد فترة حكمه إغلاقا لأي من النزاعات الكبرى التي ورثتها الولايات المتّحدة، سواء في الشّرق الأوسط أو خارجه. بل على العكس، فقد استمرّ الوجود الأميركي في بؤر توتّر وصراعات متعدّدة، وتواصلت العمليّات العسكرية، وإن بوتيرة أو شكل مختلفين.
الأهم من ذلك أنّ غياب إستراتيجية خروج واضحة حوّل الانسحاب -حين حدث- إلى عامل توتير إضافي. فالانسحاب غير المؤطّر سياسيا لا يُنتج تسوية، بل يخلق فراغا سرعان ما تملؤه قوى محلّية أو إقليمية أو دولية على نحو يُعيد إنتاج الصراع بصيغ جديدة. بهذا المعنى، لم يكن الفشل في إنهاء الحروب نتيجة مقاومة الواقع لخطط مثالية، بل نتيجة غياب خطّة أصلا لما بعد الانسحاب.
ثمّ مع مرور الوقت، اتضح أن السياسة الخارجية الترامبية لم تتجه نحو إنهاء الحروب، بل نحو إدارة التوتر. أي الإبقاء على مستوى من الصراع منخفض الشدة، يمنع الانفجار الشامل دون أن يفتح أفقا للحل. وقد ظهر هذا النمط بوضوح في الاعتماد على الضربات الردعية المحدودة (كما هو الحال ضد فنزويلا مثلا)، والعقوبات القصوى (إيران، وروسيا بدرجة أقل)، والضغط السياسي، بوصفها بدائل عن مسارات تسوية شاملة.
غير أن إدارة التوتر، حين تنفصل عن أفق سياسي واضح، تتحول من أداة استقرار مؤقت إلى آلية لإدامة النزاع. إذ إن الردع غير المصحوب بتسوية لا يُنهي الصراع، بل يعلّقه في حالة انتظار دائم فتتراكم عوامل الانفجار بدل تفكيكها. وهنا، تصبح القوة أداة تعطيل وليس أداة حل.
وهكذا، لا يمكن اختزال فشل خطاب "إنهاء الحروب" في شخص ترامب أو في تناقضاته، بل ينبغي قراءته بوصفه تعبيرا عن أزمة أعمق في القدرة الأميركية على إنتاج إستراتيجية ذات معنى. فالخطاب لم يفشل لأنه طموح أكثر من الواقع، بل لأنه افتقر إلى تصور بنيوي لما يعنيه إنهاء الصراع في عالم متعدد الأقطاب، ومتشابك المصالح، ومفتوح على فاعلين من غير الدول.
بهذا المعنى، يكشف الخطاب الترامبي عن مأزق القوة حين تنفصل عن الرؤية؛ إذ يمكن للقوة أن تُضعف الخصوم، وأن تضبط الإيقاع، لكنها تعجز عن إنتاج نهاية للصراع إذا لم تكن مُرفقة بتعريف واضح للغاية السياسية. ومن هنا، يصبح فشل الوعد بإنهاء الحروب مدخلا لفهم تحول أوسع في الدور الأميركي، وهو ما يمهد للانتقال في الفقرات التالية إلى تحليل الممارسة الفعلية في الساحات المختلفة، والنتائج البنيوية المترتبة عليها.
إذا كان الخطاب الترامبي قد قدّم نفسه بوصفه مشروعا لإنهاء الحروب، فإن الممارسة الفعلية كشفت عن نمط مختلف تماما، كانت نتيجته تفكيك آليات إدارة الصراع من دون بناء بدائل تسوويّة. إذ لم تسعَ إدارة ترامب إلى رعاية تسويات سياسية شاملة، ولا إلى تثبيت ترتيبات أمنية مستدامة، بل ركزت على تقليص الالتزامات الأميركية المباشرة، حتى وإن كان الثّمن تفجير توازنات هشّة قائمة.
لذلك، فإننا نفهم أن الانسحاب/الانكفاء لم يكن أداة سلام، بل عامل اضطراب. إذ إن تقليص الدور الأميركي، حين يتم بلا رؤية متعددة الأطراف وبلا إطار سياسي جامع، فإنه لا يُنتج فراغا محايدا، بل فراغا تنافسيا، تُسرع قوى أخرى -دولية أو إقليمية أو محلّية- إلى ملئه، غالبا عبر أدوات صدامية.
في الفضاء اللاتيني، الذي يُفترض تقليديا أنه مجال نفوذ مباشر ومستقر نسبيا للولايات المتحدة، كشفت سياسات ترامب عن أثرها التفكيكي بوضوح. فقد أدى تشديد العقوبات وتسييس ملف الهجرة والتعامل الفج مع حكومات المنطقة، إلى تقويض أطر التعاون القائمة بدل تعزيزها.
في حالة فنزويلا، على سبيل المثال، لم يؤد الضغط الأقصى إلى انتقال سياسي منضبط، بل انتهى مداه إلى تعميق الانقسام الداخلي وتدويل الأزمة، ومن ثم تحويلها إلى ساحة صراع نفوذ بين قوى دولية. وهكذا، تحوّل السعي لإسقاط نظام إلى عامل إطالة لأمد الأزمة الإنسانية والسياسية، من دون أفق تسوية واضح ومحدد الآجال.
أما في أميركا الوسطى، فقد أسهمت مقاربة ترامب لملفّ الهجرة -بوصفه تهديدا أمنيا وليس أزمة تنموية سياسية -في إعادة إنتاج شروط عدم الاستقرار التي تدفع أصلا نحو الهجرة، فكان أن خلق ذلك حلقة مفرغة من الضغط والفوضى بدل المعالجة الجذرية.
أما في القارة الأفريقية، فتجلّى أثر سياسة ترامب في ما يمكن تسميته الانسحاب الصامت؛ حيث شهدنا تقليص الاهتمام السياسي والدبلوماسي في مقابل إبقاء حضور أمني محدود وغير مؤطّر إستراتيجيا. هذا النمط لم يُنهِ النزاعات، بل فتح المجال أمام تمدّد الفاعلين غير الدوليين، وتصاعد أدوار قوى منافسة.
ففي منطقة السّاحل، على سبيل المثال، تزامن تراجع الانخراط الأميركي مع تفكّك نسبي للأطر الأمنية الإقليمية، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة، وتزايد الانقلابات العسكرية. لم يكن هذا نتيجة مباشرة لقرار أميركي واحد، بل حصيلة غياب رؤية شاملة للتعامل مع جذور الصراع، والاكتفاء بإدارة التهديد من منظور أمني ضيق.
وهكذا، تحولت أفريقيا من هامش إستراتيجي مُهمل إلى مختبر لفوضى متعددة المستويات، حيث يتقاطع الإرهاب، والانهيار المؤسسي، والتنافس الدولي، في ظل غياب مبادرات تسوية جدية.
على الجانب الآخر من الجغر افيا، وتحديدا في آسيا، أسهمت المقاربة الترامبية القائمة على الصفقات والضغط الأحادي في زعزعة توازنات دقيقة. فالتعامل المتقلب مع كوريا الشمالية -بين التهديد العسكري والانفتاح الشخصي- لم يُفضِ إلى نزع سلاح بيونغ يانغ النووي، بل أفضى إلى ترسيخ الأمر الواقع، مع إضعاف مصداقية الردع التقليدي.
أما في العلاقة مع الصين، فقد أدت الحرب التجارية، غير المقرونة بإطار إستراتيجي متكامل، إلى تصعيد تنافسي واسع النطاق تجاوز الاقتصاد ليشمل التكنولوجيا والأمن، من دون أن ينتج قواعد اشتباك مستقرة، وهو ما أدى، بالتالي إلى في رفع منسوب التوتر العالمي بدل احتوائه.
وهكذا، لم يُنتج تراجع الدور الأميركي تلقائيا نظاما دوليا أكثر توازنا، كما افترضت بعض أدبيات "تعدد الأقطاب"، بل أفضى وسيُفضي -في غياب قواعد جامعة- إلى حالة يمكن توصيفها بـ "الفوضى المنظمة"؛ بمعنى تعدد في مراكز القوة، وتقاطع في المصالح، وتصاعد في النزاعات دون آليات فعالة للردع أو الاحتواء. لم يعد النظام الدولي محكوما بمنطق الضبط المركزي، بل بسلسلة من الحسابات الإقليمية المتداخلة، حيث تُختبر الخطوط الحمراء باستمرار، ويُعاد تعريف المسموح والممنوع بالقوة لا بالتوافق.
في أوروبا، مثّل التشكيك العلني بحلف شمال الأطلسي، والتعامل النفعي مع الحلفاء، عامل إرباك بنيوي. إذ لم يؤدّ الضغط الأميركي إلى تعزيز قدرات أوروبا الدفاعية ضمن إطار متماسك، بل إلى فتح نقاشات وجودية داخل الاتحاد الأوروبي حول الاعتماد الإستراتيجي، في وقت كانت فيه القارة تواجه تصاعد التهديدات على حدودها الشرقية.
وفي هذا السياق، تمثّل الحرب الرّوسية الأوكرانية المثال الأوضح على هذا التحول. فهي ليست مجرد نزاع إقليمي، بل هي تحدٍّ مباشر لمنظومة ما بعد الحرب الباردة، وللافتراض القائل إن الحدود في أوروبا باتت محصّنة بالقانون والمؤسسات.
لقد قرأت موسكو التردد الأميركي والغربي -المتراكم منذ جورجيا 2008 والقرم 2014- بوصفه مؤشّرا على ضعف الإرادة أكثر من ضعف القدرة. ومع غياب ردع مسبق حاسم، تحوّلت أوكرانيا إلى ساحة اختبار كبرى لقدرة روسيا على كسر النظام من جهة، ولقدرة الغرب على الدفاع عنه دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، من جهة ثانية.
وما يلفت هنا هو أن الحرب، ورغم مركزيتها الأوروبية، إلا أنها كشفت حدود القيادة الأميركية التي تمثلت في دعم واسع لكنه محسوب، وانخراط مكثّف دون حسم، وعقوبات غير مسبوقة لم تمنع الحرب من الاستمرار. والنتيجة لم تكن استعادة الردع، بل تطبيع حرب كبرى طويلة الأمد في قلب أوروبا.
أما في الشرق الأوسط، فبدت نتائج السياسات الترامبية أكثر حدة. فالانسحاب من الاتّفاق النوويّ مع إيران، دون بديل تفاوضي واقعي، أعاد المنطقة إلى منطق التصعيد المفتوح، ورفع احتمالات المواجهة غير المباشرة عبر الوكلاء.
كذلك، لم تؤدّ مقاربة "الضغط الأقصى" إلى تغيير سلوك إيران على النحو المُعلن، بل إلى توسيع ساحات الاشتباك، من الخليج إلى العراق واليمن. أما ما سُمّي بـ"صفقة القرن"، فقد تجاوز منطق التسوية، وأقصى الفاعل الفلسطيني فحوّل المبادرة من مشروع حل إلى عنصر تفجير إضافي في سياق متوتّر أصلا.
وفي سوريا، كشف التّذبذب الأميركي -بين الانسحاب والعودة المحدودة- عن أثر بالغ في إعادة خلط الأوراق الميدانية، وفتح المجال أمام عدد من الدول الإقليمية لترسيخ أدوارها، في غياب أفق سياسي دولي جامع.
إن ما يجمع بين هذه الساحات المختلفة ليس فشلا تكتيكيا هنا أو هناك، بل نمطا بنيويا تمثّل في الانسحاب من دون تسوية، والضغط من دون أفق، واستخدام القوة من دون تعريف للغاية السياسية. وهكذا لم تكن الفوضى نتيجة غير مقصودة، بل مآلا منطقيا لسياسات تفكّك إدارة الصراع من دون أن تستبدلها بإدارة حل.
وهنا، يصبح الحديث عن "فشل إنهاء الحروب" غير كافٍ. فالأدقّ هو القول إن سياسة تّرامب أسهمت في تدويل الفوضى، وتحويل النزاعات من ملفات قابلة للإدارة إلى أزمات مفتوحة تتشابك فيها المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وتفقد فيها الولايات المتحدة قدرتها على الضبط والقيادة معا.
لا يمكن قراءة إخفاق إدارة ترامب في إنهاء الحروب أو احتواء النزاعات بوصفه مجرد فشل سياسي عابر أو نتيجة لشخصية رئيس مثير للجدل. فهذه المقاربة، رغم وجاهتها الجزئية، تُغفل حقيقة أعمق؛ وهي أن ما جرى في عهد ترامب كان تجلّيا مكثفا لتحول بنيوي سبق وصوله إلى السلطة واستمر بعده، لكنه اتخذ في عهده أكثر أشكاله فجاجة ووضوحا.
من هنا، يتحول السؤال المركزي من لماذا فشلت الولايات المتحدة في قيادة النظام الدولي؟ إلى هل لا تزال واشنطن راغبة، أصلا، في لعب دور القائد كما عرّفته هي نفسها منذ نهاية الحرب الباردة؟
تاريخيا، لم تقتصر القيادة الأميركية على التفوق العسكري أو الاقتصادي، بل قامت على مزيج معقّد من العناصر تتداخل ما بين القدرة على تنظيم النظام الدولي عبر مؤسسات وقواعد؛ والاستعداد لتحمّل كلفة الاستقرار، حتى عندما لا تكون الفوائد فورية، بالإضافة إلى تقديمها سردية كونية تبرّر هذا الدور، من الديمقراطية إلى الأمن الجماعي.
فقد كانت القيادة الأميركية تعني ممارسة مزدوجة تمزج ما بين" هيمنة مُقنِعة" وليس قسرية فقط، وبين "نفوذ مؤسّسي" أكثر منه مجرد تدخل عسكري. غير أن هذا النموذج بدأ يتآكل تدريجيا منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مع الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان، وتراجع الثقة الداخلية بجدوى "شُرطيّ العالم".
جاء ترامب ليُسَرِّع مسار الانسحاب دون أن يكون هو من ابتدعه. لكنّ الفارق الجوهري يكمن في أن إدارته نزعت عن التراجع طابعه المُدار، وحولته إلى خيار مُعلن ومُفاخر به. لم تعد الولايات المتّحدة تسعى إلى إعادة تعريف قيادتها، بل باتت تعمل على التخلّي عن أعبائها، مع الاحتفاظ بامتيازاتها قدر الإمكان.
في هذا السياق، لم يُنظر إلى التّحالفات بوصفها أصولا إستراتيجية، بل كأعباء مالية. ولم تُعامَل المؤسسات الدولية كأدوات نفوذ طويل الأمد، بل كقيود على القرار السيادي الأميركي. وهكذا، تحوّل شعار "أميركا أولًا" من خطاب انتخابي إلى منطق حاكم يعيد تعريف العلاقة بين القوة والمسؤولية.
لم يكن التحول الأخطر في تقليص التدخلات العسكرية، بل في التخلي عن وظيفة الضبط. فقد كانت الولايات المتّحدة تسعى، في مراحل سابقة حتى عندما تنسحب جزئيا، إلى تفويض منضبط يجمع بين شركاء، وأطر تفاوض، وخطوط حمراء واضحة. أما في المرحلة الترامبية، فقد بدا الانسحاب أقرب إلى إخلاء الساحة منه إلى إعادة تموضع مدروسة.
وهذا ما يفسّر تعدد الساحات التي شهدت انفلاتا متزامنا؛ وذلك ليس لأن واشنطن فقدت القدرة، بل لأنّها فقدت -أو تخلّت عن- الرغبة في إدارة التعقيد. ومع غياب الضابط المركزي، لم يُنتَج نظام متعدّد الأقطاب متوازن، بل فوضى تعدّدية، تتنازع فيها القوى الإقليمية والدّولية على قواعد لم يعد متفقا عليها.
إلى جانب التراجع المادي، شهد الدور الأميركي انهيارا في بعده السردي. فلم تعد الولايات المتحدة قادرة على تقديم قصّة كونية جامعة تبرّر تدخلها أو حتى حضورها. فخطاب الديمقراطية فقد مصداقيته بعد فضائح ازدواجية المعايير، وخطاب حقوق الإنسان تآكل أمام البراغماتية الصرفة، فيما حلّت لغة الصفقات محل لغة القيم.
ترامب لم يُخفِ هذا التحول، بل عبّر عنه صراحة. وبذلك، لم تضعف القيادة الأميركية فقط في عيون الخصوم، بل -وهذا الأهمّ- ضعفت أيضا في نظر الحلفاء، الذين بدؤوا يبحثون عن بدائل، أو على الأقل عن هامش استقلال إستراتيجي أوسع.
قد يبدو للوهلة الأولى أن الإدارة اللاحقة حاولت ترميم ما هدمه ترامب في ولايته الرئاسية الأولى، لكنّ الوقائع تشير إلى أن العودة كانت جزئية وانتقائية. فالاستعداد لتحمّل كلفة القيادة الشاملة لم يعد قائما، سواء بسبب الانقسام الداخلي الأميركي، أو بسبب تحول مركز الثقل الدولي، أو نتيجة الإرهاق الإستراتيجي.
وبهذا المعنى، يمكن اعتبار عهد ترامب لحظة كشف أكثر منها لحظة انحراف. لقد كشفت حدود القوة الأميركية وتناقضاتها وعدم قدرتها على الاستمرار في لعب دور القائد الكوني بذات الأدوات والمنطق السابقين.
لكن، ومع ذلك، لا يعني التحوّل البنيوي انسحابا كاملا من النّظام الدولي. فالولايات المتحدة لا تزال حاضرة عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا. غير أن حضورها بات انتقائيا ومتقلبا ومفتقرا إلى إطار ناظم شامل. إنها قوة حاضرة من دون مشروع، ومؤثرة من دون رؤية جامعة.
لا يمرّ عالم اليوم بمرحلة انتقالية وحسب، بل يعيش، أيضا، تحولا بنيويا في قواعد ضبط النظام الدولي. فقد تراجع الفاعل المركزي القادر على فرض الاستقرار -أميركا بوصفها الضابط التّقليدي- إلى دور أقل فاعلية، تاركا الفراغ لشبكة معقّدة من القوى الكبرى والمتوسطة والفاعلين من غير الدول، تتنافس وتتفاعل في بيئة دولية مفتوحة على كل الاحتمالات.
ونتيجة ذلك، أصبح الصراع متوقعا ومنتظما بصيغ جديدة؛ حيث لم تعد النزاعات استثناء يمكن احتواؤه، بل باتت أداة سياسية مستمرة، تُدار وفق حسابات متغيرة للمصالح، مع اعتماد على التصعيد الجزئي والإطالة الإستراتيجية، دون أفق تسوية واضح. وهذا ما يتجلّى بوضوح في مناطق مختلفة، بدءا من أوروبا الشرقية والحرب الروسية الأوكرانية، إلى الشرق الأوسط بمثاله النموذجي للصراعات المفتوحة، وانتهاء بالتوترات الآسيوية التي تديرها دول كبرى عبر الردع المتبادل غير المستقر.
في هذا السياق، يبدو المستقبل الدولي مرهونا بمآلات ثلاثة متشابكة؛ أولا، مدى قدرة القوى الكبرى على فرض أطر تعاون أو تعدد متوازن، ثانيا، تطور أطر أمنية إقليمية ودولية قابلة للانضباط، وثالثا، تحديد دور الفاعلين من غير الدول في إعادة تشكيل ميزان القوة وإنتاج فوضى جزئية أو توسيع الفراغات. إن غياب أي عنصر من هذه العناصر سيعني استمرار حالة "تعددية صراعية مفتوحة"، حيث يصبح الاستقرار هو الاستثناء، وليس القاعدة.
هنا تظهر خطورة المرحلة بوضوح؛ فنحن لسنا أمام مجرد تزايد النزاعات أو تصاعد العنف، بل أمام هيكل النظام الدولي ذاته الذي بات هشا أمام التجريب الإستراتيجي، والانزلاقات الكبرى، والتهديدات العابرة للحدود. وباختصار، ما كنا نعتبره تاريخيا استقرارا مقبولا، أصبح الآن هدفا استثنائيا يحتاج إلى وسائل جديدة للحماية والتثبيت، وليس مجرد إعادة إنتاج مراكز الضبط التقليدية.
ختاما، يمكن القول إن فهم هذا التحول يستدعي إعادة قراءة مفاهيم القوة والردع وإدارة الصراع ضمن إطار متعدد المستويات، يأخذ بعين الاعتبار تأثيرات الصراعات المفتوحة، والتفكك الإقليمي، والفاعلين غير التقليديين. المستقبل إذن ليس مضمونا، ولا مسار الاستقرار مضمونا، لكنه يتيح فرصة لإعادة ابتكار آليات ضبط أكثر مرونة وتكيّفا، تكون قادرة على تحويل تنافس القوى إلى قواعد واضحة، بدل أن يظل الاستثناء هو الاستقرار ذاته.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة