آخر الأخبار

دراسة حديثة: البرد يربك دفاعات الأنف ويمهد الطريق للفيروسات

شارك

تُصنَّف عدوى الجهاز التنفسي العلوي بأنها الأكثر انتشارا بين الأمراض المعدية حول العالم، إذ بلغ معدل الإصابة بها عام 2021 نحو 12.8 مليار إصابة على مستوى العالم، شملت جميع الفئات العمرية.

وعلى الرغم من أن بعض فيروسات العدوى التنفسية – المسؤولة عن 90% من الحالات – تُمارس نشاطها طوال العام، فإن الفيروسات المسببة لنزلات البرد والإنفلونزا تبلغ ذروة نشاطها في فصل الشتاء، حيث يرتفع معدل انتقالها بين الأشخاص، وتتزايد معه أعداد الإصابات المُسجَّلة.

عبء لا يقف عند الجسد

تُشكِّل عدوى الجهاز التنفسي العلوي عبئا اقتصاديا واجتماعيا، يتجلى في تراجع مستوى الإنتاجية وإعاقة قدرة الأفراد على أداء مهامهم في بيئتَي العمل والدراسة؛ إذ يضطر الطالب أو الموظف إلى التغيب، سواء أقعدته حمى أم اجتاح الإجهاد جسده.

فضلًا عن ذلك، ترهق العدوى التنفسية العلوية كاهل أنظمة الرعاية الصحية وتُكلِّفها مليارات الدولارات، بل تتفوق على السرطان وأمراض القلب الإقفارية في العبء العالمي للأمراض، محتلة ما نسبته 6% وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية.

مصدر الصورة البيئة والفيروسات المتحوّرة وجفاف الشتاء تتكاتف لتحويل الهواء البارد إلى بيئة خصبة للعدوى (فري بك)

عوامل تدعم انتشارها

تتضافر عوامل عدة في دعم انتشار عدوى الجهاز التنفسي العلوي، غير أن أبرزها العوامل البيئية، المتمثلة في تقلبات درجات الحرارة والرطوبة التي تبلغ ذروتها في فصل الشتاء؛ إذ ترتبط هذه التقلبات بتغيرات تُضعف قدرة الجهاز التنفسي على مقاومة الفيروسات.

وتزيد المسألة تعقيدا أن هذه الفيروسات تتمتع بقدرة مذهلة على التملص من الجهاز المناعي عبر طفرات متواصلة، قد تُفضي إلى ظهور سلالات جديدة أشد فتكا وأخطر على صحة الإنسان، وهو ما يُفسر الارتفاع الموسمي في معدلات الإصابة الذي يبلغ أوجه خلال فصل الشتاء.

تأثيرات غير مباشرة في الشتاء

باتت تتكشف العوامل التي ترفع معدل انتشار عدوى الجهاز التنفسي خلال فصل الشتاء؛ فخلافًا لما كان سائدًا من توجيه أصابع الاتهام إلى طول فترة البقاء داخل المباني تجنبًا لقسوة البرد، التي تُسهِّل انتقال الفيروسات وانتشار العدوى، فإن أسبابًا غير متوقعة باتت تفرض نفسها تفسيرًا لهذه الظاهرة.

إعلان

ولعل أبرزها جفاف الهواء الذي يتصاعد تدريجيا مع توغل فصل الشتاء، إذ يُسهم في تبخُّر الطبقة المخاطية الرقيقة المبطِّنة للمجاري التنفسية، جراء الاستنشاق المتواصل للهواء الجاف بوتيرة تفوق قدرة الجسم على تعويضها، فتتهيج هذه الطبقة وتتورم، مما يُتيح للفيروسات والمُمرِّضات اجتياح الممرات الهوائية واستعمارها؛ فيرتفع معدل الإصابة بنزلات البرد والإنفلونزا، وتتفاقم أعراض الربو والانسداد الرئوي المزمن لدى المصابين بهما.

مصدر الصورة البروفيسور محمد حندوس (الجزيرة)

فرضية جديدة تفسر السبب

في هذا الإطار، نشر البروفيسور محمد حندوس من كلية الطب في جامعة قطر، دراسة في فبراير/شباط 2026، أشار فيها إلى فرضية جديدة تفسر انتشار عدوى الجهاز التنفسي العلوي.

وانطلق حندوس في تفسيره من الدور الذي يؤديه الأنف بوصفه خط الدفاع الأول في مواجهة الفيروسات، وطريقة استجابته لدرجات الحرارة المتدنية.

فإلى جانب تأثير البرد الشديد في تثبيط الخلايا المناعية – اللمفية تحديدا – عن أداء وظائفها، وتحفيز ارتفاع مستويات هرمونات التوتر كالكورتيزول والأدرينالين التي تزيد من قابلية الجسم للإصابة بالعدوى، فإن الأهداب المبطِّنة للأنف والمخاط المفرز باستمرار لتعزيز الدفاعات الفطرية تؤدي هي الأخرى دورًا محوريًا.

ذلك أن هذه الأهداب بالغة الحساسية تجاه البرد، الذي قد يُضعف كفاءتها؛ فيغدو المخاط أكثر لزوجة، وتتباطأ حركة الأهداب، مما يعسر التخلص من الفيروسات والجراثيم العابرة، فتتراكم وتُمارس دورها الإمراضي.

وتواصل الدراسة المنشورة في فرونتيرز إن ميديسن (Frontiers in Medicine) تسليط الضوء على علاقة درجات الحرارة المتدنية بتفاقم عدوى الجهاز التنفسي العلوي وانتشارها، كاشفةً عن التسلسل السببي بين البرد وجهاز المناعة.

فحين يواجه الجسم انخفاض درجات الحرارة المحيطة، يُعيد توجيه جزء كبير من طاقته نحو تعويض هذا الانخفاض والحفاظ على حيوية الأعضاء، فتتقلص حصة الجهاز المناعي من هذه الطاقة وتتراجع استجابته، وتنخفض معها قدرته على إنتاج الخلايا المناعية المنوط بها مواجهة الفيروسات.

وتمتد تداعيات البرد لتطال مكونات الدم من بروتينات وإنزيمات، فينخفض مستوى بعضها مما يُضعف كفاءة الخلايا المناعية.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمس البردُ السيتوكينات المسؤولة عن تنظيم الالتهاب، فتختل قدرة الجهاز المناعي على توليد استجابة فعّالة في مواجهة اجتياح الفيروسات للخلايا، وينتهي المطاف بجسم مكشوف الدفاعات، أكثر عرضةً للعدوى.

مصدر الصورة المخاط يحمل حويصلات خلوية تُنظّم المناعة وتُحدد مصير العدوى بين الهزيمة والانتشار (شترستوك)

المخاط يشارك في دفاعات الجسم ضد العدوى

يقدم الدكتور محمد حندوس شرحًا يكشف فيه الآلية التي يواجه بها الجسم الفيروسات المسببة للعدوى التنفسية، مسلطًا الضوء على دور الخلايا الظهارية التي تُنتج جسيمات نانوية دقيقة محاطة بغشاء دهني، تُعرف بالحويصلات خارج الخلية المضادة للجراثيم (Antimicrobial Extracellular Vesicles – EVs)، وذلك عبر آلية خلوية بالغة التعقيد.

تنتقل هذه الحويصلات خلال المخاط ذاته، وتُسهم في تعزيز التواصل بين الخلايا بنقل الإشارات والبروتينات والأحماض النووية، مما يجعلها عنصرًا محوريًا في تنظيم المناعة وتجديد الأنسجة والتواصل العصبي، وفقًا لمحتواها.

إعلان

وتنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الإكسوسومات (Exosomes)، والحويصلات الدقيقة (Microvesicles)، وحويصلات الموت الخلوي المبرمج (Apoptotic Vesicles).

تتميز عملية تكوين هذه الحويصلات بانتقال مجموعة من الجزيئات الحيوية عبر وحدة واحدة، تُتيح لمجموعات الخلايا – حتى المتباينة منها – التواصل فيما بينها تعاونا أو تنافسا. وتحمل هذه الحويصلات جزيئات متعددة الوظائف، من بينها ما يُنظِّم الاستجابة المناعية للأمراض.

واللافت أن الحويصلات خارج الخلية تخضع لتغيرات مستمرة بفعل البيئة الخلوية المحيطة، فتؤدي دورا حاسما في تحديد شدة العدوى من خلال وساطتها بين الجسم والمُمرِّضات الغازية.

ففي الوقت الذي تعطل فيه حويصلات الجسم نشاط الفيروسات، تواجهها حويصلات ميكروبية مماثلة؛ يتعرف عليها الجهاز المناعي عبر مستقبلات خاصة تُفعِّل مسارات داخل الخلايا، تنتهي إما بتنظيم الاستجابة المناعية وتعزيزها، أو بتثبيطها فتتفاقم العدوى وتتآكل دفاعات الجسم.

مصدر الصورة البرد يُضعف حويصلات الأنف المناعية، فتعجز عن صدّ الفيروسات (غيتي)

كيف تعمل الحويصلات خارج الخلية في الأنف لمواجهة العدوى؟

تستجيب الحويصلات خارج الخلية التي تُفرزها الخلايا المبطِّنة للأنف للفيروسات الغازية عبر تفعيل مستقبلات مناعية تُعرف بـ تي إل آر 3 (TLR3)، تعمل على رصد الأجسام الدخيلة والتعرف إليها، وذلك بإرسال إشارات متتالية تُفضي إلى إفراز السيتوكينات الالتهابية وتنشيط الجهاز المناعي لمواجهة العدوى.

البرد والحويصلات

وفي ختام هذا التسلسل الذي يربط البردَ بالحويصلات، تعزز التفسيراتُ أن التعرض لدرجات الحرارة المتدنية يقلل من إفراز الحويصلات خارج الخلية المضادة للميكروبات، التي تؤدي دورا جوهريا في تنشيط مستقبلات تي إل آر 3 في الخلايا الظهارية الأنفية لمواجهة الفيروسات؛ مما يُضعف قدرتها على التقاطها، فتتراجع الاستجابة المناعية ويتصاعد خطر الإصابة بالعدوى التنفسية.

لذا يدعو البروفيسور حندوس إلى مواصلة البحث والدراسة لفهم أعمق لدور هذه الحويصلات في تعزيز المناعة ضد العدوى وعلاقتها بانخفاض درجات الحرارة، لعل ذلك يُمهِّد الطريق نحو اكتشاف علاجات مبتكرة لمكافحة الأمراض البكتيرية والفيروسية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار