دافع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التفاهم مع إيران لإنهاء الحرب التي اندلعت في 28 شباط/فبراير عقب هجوم أمريكي–إسرائيلي على إيران . فيما وصف الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان الاتفاق بـ"التاريخي"، وذلك عقب توقيع مذكرة تفاهم تمهّد لانطلاق مفاوضات رسمية في سويسرا قد تعيد تشكيل توازنات الصراع الإقليمي.
وأعلنت سويسرا أن المفاوضات ستبدأ غدا الجمعة قرب لوسيرن بوسط البلاد، بمشاركة باكستان وقطر كوسطاء، لبحث تنفيذ الاتفاق. ومن المتوقع توقيعه رسميًا بحضور نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ، اللذين قادا جولة التفاوض السابقة في إسلام آباد. وأرجأ رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف زيارته لسويسرا، التي كانت مقررة الجمعة، بعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية إلكترونيا ودخولها حيز التنفيذ، مؤكدًا تحقيق اختراق سياسي، وأن المرحلة المقبلة ستتركز على مفاوضات تقنية مع استمرار دعم باكستان للجهود الدبلوماسية.
لعبت باكستان دورًا محوريًا في الوساطة، بدعم متزايد من قطر، ووقع ترامب أمس الأربعاء على "مذكرة تفاهم" لإنهاء الحرب، ووقع عليها أيضا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، لتدخل حيز التنفيذ قبل يومين من الموعد الذي كان متوقعا. وتم توقيع مذكرة التفاهم عن بُعد بين واشنطن وطهران، ونصّت على:
سريعًا، انعكست أجواء التهدئة على أسواق الطاقة ، حيث تراجعت أسعار النفط. ويُفسَّر هذا الانخفاض بتراجع المخاوف بشأن إمدادات النفط، خصوصًا مع تعهد فتح مضيق هرمز واستئناف التصدير الإيراني.
واليوم الخميس (18 يونيو/ حزيران)، عبرت ثلاث ناقلات نفط سعودية عملاقة تحمل ستة ملايين برميل مضيق هرمز، بعد ساعات من توقيع الاتفاق مع إيران لإنهاء الحرب التي عطلت إمدادات الطاقة.
في الولايات المتحدة، واجه الاتفاق انتقادات داخلية، إذ اعتبر البعض أن واشنطن قدمت تنازلات وتخلّت عن أهدافها الأصلية. ورد ترامب بحدة على هذه الانتقادات، مؤكدًا أن النتائج الإيجابية بدأت تظهر سريعًا، خصوصًا في الأسواق المالية.
في إيران، على الجانب الآخر، رحّب بيزشكيان بالاتفاق واعتبره رسالة قوة قائمة على "الاحترام المتبادل". ومع ذلك، أبدى بعض الإيرانيين حذرًا وتشاؤمًا، معتبرين أن الاتفاق قد يكون مؤقتًا أو هشًا في ظل الخلافات العميقة. وقبل أيام خرج آلاف الإيرانيين في عدة مدن رفضاً للاتفاق، مرددين هتافات تتهم الوفد المفاوض بالتفريط بمصالح البلاد.
وقوبلت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران باستياء واسع في إسرائيل عبر مختلف التيارات السياسية، بحسب رويترز. واعتبرت صحيفة تايمز أوف إسرائيل أن تل أبيب قد تواجه قريبًا خيارًا صعبًا: إما مواصلة الضغط العسكري وخسارة الدعم الدبلوماسي من ترامب، أو الحفاظ على هذا الدعم مقابل تقليص الصراع الذي يُنظر إليه كأولوية أمنية.
وفي المقابل، ترى الإدارة الأمريكية أن المفاوضات المقبلة قد تؤدي إلى اتفاق نووي قوي، مع احتفاظ واشنطن بأدوات ضغط، بينها التهديد بالتصعيد العسكري. غير أن منتقدين، بينهم متشددون في حزب ترامب، يعتبرون أن إيران خرجت من الحرب في موقع أقوى، بعدما صمدت عسكريًا، وعززت نفوذها، وحصلت على تخفيف مهم في العقوبات.
تظل عدة ملفات عالقة قد تعرقل التوصل إلى اتفاق نهائي، أبرزها:
مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب
آلية الرقابة الدولية على البرنامج النووي
برنامج الصواريخ البالستية الإيراني، الذي أكدت طهران أنه غير مطروح للنقاش
وتباينت التفسيرات، حيث اعتبر مسؤول أمريكي ما تحقق "انتصارًا كبيرًا"، بينما وصفه مسؤول إيراني بأنه "هزيمة لواشنطن".
في لبنان ، نزح أكثر من مليون شخص بسبب القتال، ورغم شمول لبنان في وقف القتال، لا تزال المخاوف قائمة بشأن تطبيق التفاهم على الأرض ، في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية وسقوط قتلى. وأكدت إسرائيل أنها لن تنسحب من لبنان مهما كانت نتائج مفاوضات ترامب، ونشرت الخميس خريطة تُظهر توسيع المنطقة التي تسيطر عليها في الجنوب ووصفتها بـ"المنطقة العازلة". وقد شنت القوات الإسرائيلية غارات جوية جديدة صباح اليوم الخميس مما يثير الشكوك حول ما يمكن لترامب فعله لإجبار حلفائه في الحرب على وقف الهجوم الذي يتعهد الآن بإنهائه.
يبقى لبنان الحلقة الأضعف في الاتفاق بين ترامب وطهران. صورة لتجمع للناس في موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت في 14 يونيو/ حزيران 2026.صورة من: Ibrahim Amro/AFPواليوم الخميس، أفاد مسؤولان إسرائيليان، أحدهما مقرب من نتنياهو، بأن تل أبيب تجري مفاوضات "صعبة" مع واشنطن للإبقاء على قواتها في جنوب لبنان، مشددين على أنها لن تتراجع عن موقفها. وأضاف أحدهما لرويترز أن مآل هذه المباحثات سيتوقف في النهاية على ما إذا كان ترامب سيضغط على إسرائيل لفرض الالتزام بشروط الاتفاق مع إيران.
وهكذا، يعكس الاتفاق محاولة لاحتواء صراع كاد أن يتوسع إقليميًا بشكل خطير، ويشير إلى إدراك متبادل لكلفة الحرب العالية. لكن في المقابل، فإن هشاشة الثقة بين الطرفين، وتعقيدات الملفات العالقة، إضافة إلى استمرار التوترات الميدانية في لبنان، كلها عوامل تجعل السلام المحتمل أقرب إلى هدنة مؤقتة منه إلى تسوية نهائية.
تحرير: ف.ي
المصدر:
DW