آخر الأخبار

من الناقلات إلى الحقول.. هل دخلت حرب إيران مرحلة تعطيل الإنتاج؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تشهد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تحولًا نوعيًا في طبيعة استهدافها لقطاع الطاقة، إذ لم تعد الضربات العسكرية تقتصر على ناقلات النفط ومسارات الشحن البحري في مضيق هرمز، بل امتدت لتطال منشآت الإنتاج والمعالجة نفسها، ما يعكس انتقالًا واضحًا من استهداف التدفقات إلى استهداف القدرات الإنتاجية.

وتؤكد تقارير لوكالة رويترز أن ضربات إسرائيلية استهدفت مجمع حقل فارس الجنوبي ومنشآت المعالجة في عسلوية في 19 مارس/آذار، كما تشير التقارير نفسها إلى أضرار لحقت بمنشأة "رأس لفان" الغاز الطبيعي المسال في قطر جراء استهداف صاروخي إيراني، ما أدى إلى تعطّل جزء من القدرة التصديرية لقطر. وتُظهر هذه التطورات، وفقًا لما أوردته تقارير دولية متقاطعة، أن الصراع دخل مرحلة تستهدف "قلب نظام الطاقة" وليس أطرافه فقط.

ويفرض هذا المسار واقعا اقتصاديا مختلفا، إذ لا يعود الخلل محصورا في تدفق الإمدادات، بل يمتد إلى القدرة على إنتاجها أصلًا، ما يغيّر قواعد التسعير والاستقرار في أسواق الطاقة العالمية.

من اضطراب مؤقت إلى اختلال هيكلي

يفرق التحليل الاقتصادي بين صدمات يمكن للأسواق امتصاصها عبر آليات التكيف قصيرة الأجل، وصدمات أخرى تُحدث تآكلًا فعليًا في القدرة على الإمداد. ويكشف التصعيد الحالي انتقالًا تدريجيًا لكنه واضح من نمط الصدمة الأول إلى الثاني، إذ لم يعد الخلل محصورًا في حركة الإمدادات، بل امتد إلى مصدرها ذاته.

وتعتمد صدمات النقل، مثل استهداف الناقلات أو تهديد الملاحة في المضائق، على تعطيل التدفقات دون المساس المباشر بالطاقة الإنتاجية. وتسمح هذه الطبيعة للأسواق بإعادة التوازن نسبيا عبر إعادة توجيه الشحنات، أو السحب من المخزونات الإستراتيجية، أو استيعاب ارتفاع تكاليف التأمين والنقل.

وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA) وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) إلى أن نحو 20 مليون برميل يوميا تمر عبر مضيق هرمز، أي ما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي، ورغم ضخامة هذا الرقم، يظل جزء من هذه التدفقات قابلًا لإعادة التكيّف في حالات الطوارئ، ولو بكلفة أعلى.

إعلان

لكن الصورة تتغير جذريا عندما تستهدف الضربات العسكرية منشآت الإنتاج والمعالجة، إذ تؤدي هذه العمليات إلى فقدان مباشر في الكميات المتاحة، وليس مجرد تأخير في وصولها. ويزداد هذا التأثير حدة في حالة منظومات ضخمة ومترابطة مثل حقل فارس الجنوبي (التسمية الإيرانية)/ حقل الشمال (التسمية القطرية)، الذي يُعد أكبر حقل غاز في العالم ويشكّل ركيزة أساسية في إمدادات الغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ذي أثر عابر للحدود.

ويعكس هذا التحول ما يمكن توصيفه اقتصاديا بـ "الاختلال الهيكلي في العرض"، حيث لا يقتصر التأثير على موجة ارتفاع سعرية آنية، بل يمتد ليُحدث ضغطًا مستمرًا على السوق، ويُبقي التوازن بين العرض والطلب في حالة هشّة ومفتوحة على مزيد من الاضطراب.

استهداف الإنتاج وكلفة التعافي

وتعزز البيانات الميدانية هذا المسار، إذ تُظهر التقارير أن الضربات لم تعد تقتصر على أهداف هامشية، بل باتت تستهدف عقدًا مركزية في منظومة الطاقة، بما ينقل الصراع إلى مستوى يمس القدرة الإنتاجية مباشرة.

وينقل تقرير لوكالة رويترز عن سعد بن شريده الكعبي، وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ شركة قطر للطاقة، أن الأضرار التي لحقت بمنشأة "رأس لفان" أثرت على نحو 17% من القدرة التصديرية للغاز المسال، موضحًا أن استعادة الإنتاج قد تستغرق "عدة أشهر" وفقا لحجم الأضرار والظروف الأمنية، وهو ما يعكس انتقال الصدمة من نطاق مؤقت إلى نطاق ممتد.

مصدر الصورة جانب من منشآت شركة "قطر للطاقة" بمدينة راس لفان حيث ينتج ويصدر الغاز المسال لأسواق العالم (غيتي-أرشيف)

وتوضح تقديرات مؤسسة "ستاندرد آند بورز غلوبال كوموديتي إنسايتس" أن تكرار الضربات العسكرية على البنية التحتية للإنتاج يخلق "مخاطر تراكمية"، حيث يؤدي كل هجوم جديد إلى إطالة أمد التعافي، وتقليص القدرة الفعلية على استعادة الإنتاج، ما يدفع السوق نحو حالة نقص هيكلي في الإمدادات.

وتتسم عملية الاستعادة بتعقيد متعدد الأبعاد، إذ تعتمد منشآت الغاز والنفط على أنظمة دقيقة ومعقدة مثل وحدات الضغط والمعالجة ومحطات التسييل، وهي مكونات يصعب استبدالها بسرعة، بينما تشير تقديرات شركة "ريستاد إنرجي" إلى أن إصلاحها قد يستغرق أسابيع إلى عدة أشهر.

ويؤدي استمرار التهديدات الأمنية، إلى جانب القيود على سلاسل الإمداد، إلى تأخير إعادة التشغيل، كما يظهر في تجربة ليبيا بين عامي 2011 و2020، حيث تذبذب الإنتاج رغم توافر الاحتياطيات النفطية، ما يحول الصدمة من حدث مؤقت إلى حالة ممتدة تضغط على توازن السوق.

إعادة تسعير المخاطر في سوق هش

وتعكس تطورات السوق هذا التحول الهيكلي، إذ لا يقتصر تأثير الأحداث على تقلبات الأسعار الآنية، بل يمتد إلى إعادة تسعير المخاطر على نحو أكثر رسوخًا واستمرارًا.

وترتفع أسعار خام برنت القياسي إلى مستويات تتجاوز 110 دولارات للبرميل عقب التصعيد، وفق بيانات بلومبيرغ، بينما تشير تقديرات بنك "غولدمان ساكس" إلى أن العلاوة الجيوسياسية قد تضيف ما بين 10 إلى 25 دولارا للبرميل في حال استمرار التصعيد.

وتشير تحليلات وكالة بلومبيرغ، في تغطيات السوق الفورية خلال الشهر الحالي، إلى أن خامات الشرق الأوسط، مثل دبي وعُمان، تجاوزت في بعض الجلسات سعر برنت، في إشارة إلى ضغوط متزايدة في السوق الفعلية، لا في العقود الآجلة وحدها.

إعلان

وتكشف هذه الظاهرة عن خلل في بنية السوق، إذ تبدأ الأسعار في الانفصال عن المؤشرات التقليدية، وتعكس ندرة حقيقية في الإمدادات.

وتزداد حساسية سوق الغاز لهذا النوع من الصدمات، نظرًا لاعتماده على منشآت محددة ومكثفة تقنيًا.

وتبلغ صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال نحو 77 مليون طن سنويا، وترتبط بشكل مباشر بحقل الشمال، ما يجعل أي اضطراب في البنية التحتية المشتركة مع إيران عاملًا ضاغطًا على السوق العالمية، خاصة في أوروبا وآسيا.

ويؤدي أي تعطل في هذه المنظومة إلى ارتفاع سريع في الأسعار، نظرا لصعوبة تعويض الإمدادات في المدى القصير.

وهم الطاقة الاحتياطية

يراهن كثير من المتعاملين في أسواق الطاقة على أن امتلاك طاقة إنتاجية احتياطية لدى كبار المنتجين يمكن أن يخفف من أثر أي نقص مفاجئ في الإمدادات، إذ تقدر وكالة الطاقة الدولية هذه الاحتياطيات بما بين 5 إلى 6 ملايين برميل يوميًا. غير أن هذه الأرقام تعكس قدرة نظرية أكثر منه قدرة تشغيلية فورية، لأن تحويل هذه الطاقة إلى إمدادات فعلية يتطلب وقتا، ومسارات تصدير آمنة، وبنية تحتية مستقرة.

مصدر الصورة النيران تتصاعد من إحدة منشآت حقل بارس الجنوبي للغاز جنوبي إيران إثر تعرضها لغارة إسرائيلية (أسوشيتد بريس)

وتتراجع فعالية موارد الطاقة في بيئة النزاع، لأن الجزء الأكبر منها يتركز في منطقة الخليج نفسه، ما يجعلها معتمدة على الممرات ذاتها المعرضة للخطر، وعلى رأسها مضيق هرمز. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن أي تعطل مطوّل في المضيق قد يمنع وصول جزء كبير من هذه الطاقة إلى الأسواق، حتى لو كانت متاحة من ناحية الإنتاج.

وتعزز تحليلات بنك "جيه بي مورغان" هذا التقييم، إذ تشير إلى أن الطاقة الاحتياطية الفعلية في ظروف الحرب تقل كثيرا عن التقديرات الإسمية، بسبب قيود النقل والتصدير. وتُظهر سيناريوهات البنك الأمريكي، كما نقلتها صحيفة فايننشال تايمز، أن إغلاق هرمز قد يدفع دولا مثل العراق والكويت إلى خفض الإنتاج خلال أيام، ما يكشف أن هذه الطاقة لا تمثل صمام أمان مطلقًا، بل قدرة مشروطة باستقرار الجغرافيا السياسية وسلامة البنية التحتية، أي أنها عامل استقرار هش أكثر من كونها ضمانة فعلية للسوق.

انتقال الصدمة وسيناريوهات التصعيد

وتنتقل آثار تعطّل الإنتاج بسرعة إلى الاقتصاد العالمي عبر قنوات متعددة ومترابطة، إذ تدفع زيادة أسعار الطاقة إلى رفع تكاليف التشغيل في القطاعات الأكثر استهلاكًا للوقود، حيث يشكّل الوقود نحو 30% من التكاليف التشغيلية في قطاع الطيران وفق الاتحاد الدولي للنقل الجوي، ما يضغط على هوامش الربحية ويدفع الشركات إلى تعديل الأسعار أو تقليص السعات التشغيلية.

كما تنعكس هذه الزيادات على قطاع الشحن عبر ارتفاع تكاليف الوقود وأقساط التأمين، وتمتد إلى الصناعات البتروكيميائية نتيجة صعود أسعار اللقيم.

وعلى المستوى الكلي، تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10% يؤدي إلى زيادة التضخم العالمي بنحو 0.4%، بالتوازي مع تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي، فيما تُظهر دراسة للخبيرين داريو كالدرا وماتيو إياكوفييلو في دورية "أمريكان إيكونوميك ريفيو" أن تصاعد المخاطر الجيوسياسية يضغط على الاستثمار، ويعزز احتمالات الركود.

ويعكس تحليل السيناريوهات درجة حساسية الأسواق لهذه التطورات على النحو الآتي:


* يؤدي تعطل محدود في الإنتاج (أقل من مليون برميل يوميا) إلى ارتفاع الأسعار نحو 100 إلى 115 دولارا مع تأثير قصير الأجل.
* يؤدي تعطل مستمر (2 إلى 4 ملايين برميل يوميا) إلى دفع الأسعار إلى 120 إلى 150 دولارا مع ضغوط تضخمية ممتدة.
* يؤدي تعطل واسع يشمل الإنتاج والممرات الحيوية إلى رفع الأسعار إلى 150 إلى 200 دولار أو أكثر، مع ترجيحات بدخول الاقتصاد العالمي في ركود، وفق تقديرات "جيه بي مورغان".
إعلان

يعيد التصعيد الحالي تعريف طبيعة المخاطر التي تواجه أسواق الطاقة، إذ تنتقل بؤرة التهديد من مسارات النقل والتدفقات إلى البنية التحتية للإنتاج نفسها، بما يعيد رسم خريطة المخاطر في السوق.

ويدفع هذا التحول إلى إعادة تعريف آلية التسعير، بحيث لا تعكس الأسعار توازن العرض والطلب فحسب، بل تعكس أيضا مدى قدرة المنشآت على الاستمرار في التشغيل، تحت ضغوط أمنية متصاعدة.

وفي هذا السياق، لا تُختزل الحرب في كونها صدمة عابرة، بل تُشير إلى دخول الاقتصاد العالمي مرحلة مختلفة، تصبح فيها قدرة الإنتاج – وليس حركة تدفق الإمدادات – هي العامل الحاسم في استقرار الأسواق.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار