في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
التقى صوتان شعريان مختلفان في المنبع، متفقان في الهاجس، على منصة ندوة بمعرض الدوحة الدولي للكتاب عنوانها "الشعر سردية الهوية وتشكيل الانتماء" مساء الخميس الماضي.
الشاعر القطري فالح العجلان الهاجري ممثلا للشعر النبطي، والشاعر العراقي عارف السعدي، رئيس اتحاد الأدباء العراقيين، ممثلا للفصيح، وبينهما الإعلامي محمد الحمادي مديرا للحوار. كان السؤال المعلن عن دور الشعر في تشكيل الهوية، لكن الندوة انزلقت سريعا، وبتلقائية كاشفة، إلى سؤال آخر أكثر إلحاحا، ماذا يحدث للقصيدة في زمن صار فيه إنتاجها بضغطة زر؟
انطلق فالح العجلان الهاجري من موقع الشاعر الشعبي الذي تحولت قصائده إلى أغنيات وطنية، فدافع عن الشعر الشعبي بوصفه جزءا من هوية كل دولة، يترسخ في الوجدان عبر اللحن والأغنية حتى يصير ذاكرة جماعية. لكنه لم يجعل من هذا الدفاع غطاء للتساهل، بل العكس تماما.
كان أشد ما في كلامه نقدا ذاتيا موجّها إلى حقله نفسه: الأعمال الوطنية، قال، يجب ألا تُعامَل بوصفها أعمالا موسمية أو مناسباتية. العمل الوطني ينبغي أن يكون بمستوى المكانة التي بلغتها الدولة، كلمة ولحنا وفكرة، وأن تقديم أعمال ضعيفة أو سطحية يسيء إلى الخطاب الوطني بدل أن يعزّزه. ومن هنا دعا إلى لجان أو معايير فنية تضمن جودة النصوص والألحان وتحافظ على الذائقة العامة.
ثم وجّه الهاجري سهمه إلى ما يراه أصل الداء وهو وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي.
وحذّر من سهولة إنتاج النصوص والألحان اليوم، معتبرا أن هناك حالة من "الاستسهال" الفني، حيث صار بإمكان أي شخص إنتاج عمل وطني سريع دون أن يملك أدوات فنية حقيقية.
من الضفة الفصيحة، رفع عارف السعدي سقف النقاش إلى المستوى الحضاري.
الشعر العربي، قال، أحد أهم عناصر القوة الناعمة العربية، ارتبط تاريخيا بالهوية وأسهم في تشكيل الوعي الحضاري.
ولفت إلى ملاحظة لطيفة وهي أن الشعر العربي في مراحله الأولى لم يكن خاضعا لفكرة الحدود السياسية الحديثة. المتنبي وأبو العلاء المعري وأبو تمام لم يُعرفوا بانتماءات جغرافية ضيقة، بل ضمن فضاء ثقافي عربي واسع، قبل أن تبدأ البيئات لاحقا في نحت خصوصية كل تجربة. إشارة تعيد إلى الأذهان أن "القومي" في الشعر سبق "الوطني" بقرون.
وحين انتقل السعدي إلى العلاقة الحساسة بين الفصيح والشعبي، لم يهاجم الشعر الشعبي، بل ميّز بدقة بين "الشعبي" و"الشعبوية".
والمشكلة، قال، ليست في الشعر الشعبي أو النبطي، الذي يملك حضورا جماهيريا وتجربة غنية ومؤثرة، بل في الشعبوية التي تدفع نحو نصوص سطحية هدفها الانتشار السريع وكسب التفاعل على وسائل التواصل. واستشهد بتجربة العراقي مظفر النواب الذي جمع بين الفصحى والشعبي في آن، ليثبت أن الرفعة الفنية لا لغة بعينها تحتكرها.
اللافت أن الشاعرين، رغم اختلاف مدرستيهما، التقيا عند العدو نفسه. ما سمّاه الهاجري "الاستسهال"، سمّاه السعدي "الشعبوية". كلاهما يشير إلى الظاهرة ذاتها: قصيدة تُنتَج بسرعة، تطلب التفاعل لا الأثر، وتقيس نجاحها بعدد المشاهدات لا بعمق ما تتركه في النفس. وكلاهما يرى أن الخطر لا يأتي من اللغة التي تُكتب بها القصيدة، فصيحة كانت أم نبطية، بل من النية التي تُكتب بها.
المصدر:
الجزيرة