في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل أن يطوع الإنسان الطبيعة لغاياته، كان جسده هو منتهى حيلته وأقصى حدوده؛ يقبض براحته العارية على جمر الوجود وثلجه، رهين سجن بيولوجي ضيق. غير أن صحوة العقل باغتته حين انحنى ليلتقط حجرا، وبضربة قوية، فلق الصخر. من رحم تلك الشظايا المتطايرة، انعتقت "الأداة"، وانطلق معها سهم الوعي في مسار طويل ومربك.
على مدار مراحل تطورها، أثبتت الأداة أنها ليست مجرد امتداد وظيفي لأطرافنا البشرية، بل شرارة أحدثت تحولا جذريا في الوعي. بها، لم نعد مجرد طرائد مذعورة، بل ارتدينا عباءة السيد؛ بعد أن شق أسلافنا حشا الأرض بمحراثيهم، واستجلبوا الماء من أغواره البعيدة.
تقترب مأساة سيغفريد ميرزباخر من ندم نوبل، فهي تحول براءة الاختراع، تحت وطأة الأيديولوجيا، إلى وحشية مطلقة
بيد أن تاريخ الأدوات يضمر في طياته مفارقة تراجيدية؛ فما انبعث لتيسير الحياة، سرعان ما ارتد لمَحوها.
تقترب مأساة سيغفريد ميرزباخر من ندم نوبل، فهي تحول براءة الاختراع، تحت وطأة الأيديولوجيا، إلى وحشية مطلقة. بدأ العالم الألماني حياته بتجارب كيميائية بسيطة، كان من بينها ابتكار معجون أسنان لعائلته في بلدة أورانينبورغ الصغيرة شمال برلين، حيث تعامل مع الكيمياء بوصفها فنا منزليا تستنير به ابتسامتنا اليومية. غير أن صعود الحزب النازي حول البسمة البيضاء إلى شهقة دموية.
في عام 1933، تولى ميرزباخر إدارة أحد مختبرات الأسلحة الكيميائية، التي أسهمت في تطوير غاز السارين، أحد أكثر السموم فتكا في التاريخ، كما شارك في تصميم الأقنعة الواقية التي تحمي الجنود الألمان من أضرارها حين يطلقونها في ساحة المعركة.
لم يستطع العالم الفذ أن يغفر لنفسه، حيث قضى ما تبقى من حياته متنقلا بين مصحات الأمراض النفسية، في محاولة يائسة للتغلب على اشمئزازه، خصوصا بعد علمه بأن أفرادا من عائلته الممتدة قتلوا في معسكر أوشفيتز، ربما بالأسلحة نفسها التي ساهم في تطويرها.
وحين عجز الطب عن إنقاذه، لجأ إلى الكتابة، فدون قصته في نحو ألفي صفحة، امتلأت بتفاصيل مواربة، كتب بعضها على فراش موته، كمحاولة متأخرة للتطهر، دون القدرة على مواجهة الحقيقة عارية.
لم يتبرأ أوبنهايمر من مسؤوليته عن صنع القنبلة، إذ ظل يراها في وعيه "ضرورة تاريخية قاسية"
غير أن الفجوة بين نية الصانع ومآل الأداة لم تكن يوما حكرا على الأنظمة الشمولية؛ إذ دخل روبرت أوبنهايمر مختبره على هيئة "بروميثيوس" عصري، ظانا أنه يسرق نارا مقدسة ستضع حدا لأوجاع الحرب، لكن ومضة اختبار ترينيتي (Trinity) في صحراء نيو مكسيكو، فجر 16 يوليو/تموز عام 1945، أحالت يقينه رمادا.
هناك، عند الحافة الرهيبة بين الوجود والعدم، لم يجد أوبنهايمر لغة تسعفه سوى تراتيل الهندوس القديمة، ليهمس بمرارة: "الآن أصبحتُ الموت، مُدمر العوالم".
لم يتبرأ أوبنهايمر من مسؤوليته عن صنع القنبلة، إذ ظل يراها في وعيه "ضرورة تاريخية قاسية"، غير أن أشلاء هيروشيما وناغازاكي حولت هذا التبرير إلى وخز أخلاقي نهش روحه، لينهار أمام الرئيس ترومان بغتة: "سيدي الرئيس، أشعر أن يديّ ملطختان بالدماء".
منذ تلك اللحظة، خلع العالم ثوبه الزاهي وارتدى عباءة التائب؛ إذ انتقل من موقع الصانع إلى موقع المعارض لتطوير القنبلة الهيدروجينية، واصفا إياها بسلاح إبادة شاملة.
وهو المسار الذي قاده إلى منفى معنوي وعزلة سياسية مريرة، بلغت ذروتها بسحب تصريحه الأمني عام 1954، ليموت وحيدا تحت وطأة الأداة التي ظن يوما أنها ستنقذ العالم، فإذا بها تدق المسمار الأخير في نعش مجده.
يستدعي هذا المسخ الجديد، ما وصفته حنة أرندت بـ"تفاهة الشر" في تحليلها لمحاكمة أيخمان؛ حيث صار الشر مجرد "تنفيذ للمهام"
في سردية الإلياذة (Iliad) لهوميروس، تبدو الحرب كأبشع تجليات العبث وأكثرها ضراوة؛ فهي لم تكن صراعا على رقعة أرض أو وفرة موارد، بل محض "نعرة" ذكورية اشتعلت بفرار هيلين.
ولأجل استرداد "الجمال الأوحد"، استدعيت الجيوش لدك حصون طروادة. تساقطت الأرواح كالذباب ذودا عن الشرف، وقدمت رؤوس النساء قرابين على مذبح الرغبة لتولد من رمادهن عقدة إلكترا.
لم يكتف هوميروس بترسيخ مشهد صمت الحملان السائرة إلى مذبح طروادة، بل مد مظلة البؤس لتشمل الشجعان من الرجال؛ في مشهد وداع هكتور الجنائزي، وانكسار الملك بريام وهو يجر ذله أمام قاتل ابنه، ليخبرنا أن تلك الحرب، بعد عشرة أعوام، لم ينتصر فيها أحد.
لقد تحالفت "الأداة الماكرة" (الحصان الخشبي) مع المغيرين لتضع حدا للعبة، بحيلة محدودة الأثر لم تهدد وجود كوكب بأكمله. كانت الحرب آنك واضحة المعالم، تخاض "وجها لوجه" بنزاهة فظة لم يعد لها وجود في حروبنا المعاصرة التي لا يرى فيها المحارب وجه عدوه.
في رواية كل شيء هادئ على الجبهة الغربية ، ينهار الجندي باول بومر تحت وطأة العبث؛ إذ لا يفهم جدوى القتال، ولا يرى أعداء حقيقيين، بل مجرد أشباح في ضباب الخنادق وجثث مكدسة في الطين؛ فبمن إذن يوجه رصاصه؟
أما في رواية الجندي الطيب شفيك، فيقدم ياروسلاف هازيك صورة كاريكاتورية لحرب فقدت هيبتها؛ جندي يطيع الأوامر بحماسة بلهاء، يتنقل بين الجبهات والمستشفيات دون أن ينخرط في أي عراك حقيقي.
تتفجر الكوميديا السوداء من تلقاء نفسها، لا من غباء "شفيك"، بل من تحول "الطاعة" إلى فعل آلي يشبه رؤية تشارلي شابلن الساخرة للحداثة في فيلمه الأشهر الأزمنة الحديثة ؛ فالمؤسسة العسكرية لا تسمح لجنودها باستخدام عقولهم، بل تختزلهم إلى مجرد "براغي" في آلة ضخمة.
يستدعي هذا المسخ الجديد، ما وصفته حنة أرندت بـ"تفاهة الشر" في تحليلها لمحاكمة أيخمان؛ حيث صار الشر مجرد "تنفيذ للمهام" وامتثال أعمى يغيب عنه الرأي والمساءلة الأخلاقية، وهو ما وعاه شفيك وكيف حواسه بذكاء لتستجيب له.
إن قارئ هازيك لا يملك إلا أن ينفجر في الضحك، لكنه ضحك يخبئ وراءه فزعا أشار إليه ميلان كونديرا بتساؤله: "أوليس مدهشا أن تكون هذه الرواية الهزلية في الوقت نفسه رواية حرب؟ ما الذي حدث للحرب وأهوالها حتى تصير موضوعا للسخرية؟".
في 6 أغسطس/آب عام 1945، تمام الثامنة والربع صباحا، شقت الأداة وجه التاريخ إلى ما قبل وما بعد؛ لحظة فارقة انطفأ فيها ضوء السماء لتشتعل الأرض بجحيمها.
مع انشطار الذرة، تلاشت مدينة بكامل تفاصيلها؛ سقطت الجدران على أحلام ساكنيها، وذابت الأجساد في وهج أعمى الأبصار. دوي هائل أعقبه صمت مطبق.
إنه "الصمت النووي" الذي تسلل إلى نصوص ياسوناري كاواباتا، وسكن أرواح جيل من حكماء اليابان آثروا الرحيل في غرف مغلقة؛ إذ أدركوا أن اللغة التي نحتتها آلاف السنين من الحضارة، خرست أمام جبروت الأداة.
في فيلم هيروشيما حبيبتي (Hiroshima mon amour)، يقف آلان رينيه ومارغريت دوراس أمام "مستحيل السرد"؛ حيث تحاول الذاكرة، أن تجسر فجوة الفجيعة بالحب. تقول البطلة الفرنسية بتعاطف: "رأيت كل شيء في هيروشيما"، فيأتيها رد حبيبها الياباني كصفعة تعني اغتراب اليابان عن العالم: "أنت لم تري شيئا في هيروشيما".
في هذا التلاطم الحواري، يتكشف "الهول" بوصفه مادة عصية على الإبصار؛ غصة أبدية حشرت الكلمات في حنجرة اللغة. فبينما كانت الحروب القديمة تشيد ملاحمها من بطولات الجثث وسيرها القابلة للحكي، جاء الانشطار النووي ليزيح الراوي عن المشهد؛ إذ ماذا يتبقى للوصف حين يصعق الضوء الباهر عين الرائي، ويتركه ذاهلا، أمام لحظة الصعق؟
على امتداد التاريخ، ظل العلم ذروة المجد البشري؛ به غادر الإنسان عتمة الكهوف، واقتحم الفضاء، وانتزع الجوهر من قلب المادة. غير أن القراءة النقدية لهذا الصعود تكشف حقيقة مربكة: العقل هو "الأداة المرجعية" التي تمنح كل ما عداها من ابتكارات معناها ومسارها.
ومع تصاعد نذر المواجهة النووية في الآونة الأخيرة، تبدو كفاءة هذه "الرئاسة العقلية" موضع اتهام؛ إذ غدا العقل، الذي هندس الأدوات لصيانة الحياة، أسيرا لزهوه، ناسيا تحذير أفلاطون في أسطورة أطلانطس (Atlantis) عن تلك اللحظة الرهيبة التي يمتزج فيها الزهو بالعمى.
في محاورتي تيماوس (Timaeus) وكريتياس (Critias)، يرسم أفلاطون ملامح تلك الجزيرة الضائعة وراء "أعمدة هرقل"، حيث بلغت الحضارة شأوا بعيدا.
كانت أطلانطس تجسيدا للعقل في أوج انتصاره، حتى تسلل الصلف إلى مفاصلها، واستحالت القوة إلى عماء، فجاء العقاب ببرود يصفه أفلاطون بكلمات قاطعة: "في يوم وليلة واحدة من غضب الآلهة، غاصت أطلانطس في القاع".
ليست هذه النهاية خرافة محضة؛ ففي اللحظة الحاسمة، لا تسقط المدن بوصفها مساحات جغرافية، بل بوصفها حيوات مهدورة. في بيت تهاوى أمانه، ارتجفت صرخة طفل؛ وتعلق كف امرأة بذكرى على جدار؛ بينما وقف المهندس العبقري فوق برجه الشاهق يرقب مآل حساباته الدقيقة. هكذا، حين يختال العقل بنفسه، لا تتهاوى الإمبراطوريات وحدها، بل الأجساد التي خانتها عقولها.
في البدء، ولدت الأداة لترميم كائن لا تحتمل هشاشته؛ فبدل أن يدمي أظافره في شق الخشب، روض جسد الشجرة وصاغ فأسا. غير أن السؤال يفرض نفسه اليوم بإلحاح أشد: ما الذي كان العقل يرمي إليه حين صاغ القنبلة؟ أضل طريقه؟ ربما. لكن الأداة، في ذاتها، لم تخطئ يوما هدفها.
إن تتبع المسار من شظية الصوان الأولى إلى خوارزميات القتل عن بعد يعيدنا إلى مرارة ما قاله ساراماغو: "الطينة التي جُبلنا منها نصفها خبث، ونصفها الآخر استهتار". ففي هذه اللحظة التاريخية، انقلبت أدوات البقاء إلى نذر للفناء.
ومع تآكل مؤسسات الردع وتراجع منطق العقلانية، لم يعد السلاح النووي كابوسا افتراضيا، بل احتمالا واقعيا يلوح به قادة يملكون من الأسلحة أكثر مما يملكون من الوعي. وهنا يغدو السؤال كارثيا بحق: ماذا يتبقى للإنسان ليدافع به عن نفسه، حين يكتشف أن خصمه الأشد فتكا كان، طوال الوقت، كامنا في رأسه؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة