آخر الأخبار

كيف أعاد التغير المناخي كتابة سرديات الرعب؟

شارك

انتقلت سردية التغيير المناخي من الرسوم البيانية وخطابات الأمم المتحدة والمؤتمرات العلمية إلى المنازل المهدمة والغابات المحترقة والمدن الغارقة أو المرشحة للغرق مع بداية الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين. وفي الأدب والسينما، لم تعد الكوارث البيئية خلفية للأحداث، وإنما المحرك الرئيسي للحدث.

استجابت الفنون للكارثة وللتحذير من القادم، ليتحول رد الفعل إلى إبداع أدبي وسينمائي أكثر شبها بظاهرة ثقافية تواكب قلقا ورعبا، يسكن الجغرافيا والمناخ والبيوت.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ثورة الهواتف في صاندانس 2026.. نهاية عصر احتكار الصورة
* list 2 of 2 الفيلم الكوري "لا خيار آخر".. تبديد وهم الحرية end of list

يمكن قياس هذا القلق وذلك الرعب في إحصائيات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التي أكدت أن عام 2024 كان الأعلى من حيث درجة الحرارة في تاريخ الكرة الأرضية، حيث تجاوزت درجة الحرارة فيه مستويات ما قبل الثورة الصناعية بنحو 1.55 درجة مئوية.

أشارت الإحصائية إلى سلسلة أطول من درجات الحرارة القياسية خلال العقد الماضي؛ إذ ذكرت المنظمة أن عام 2025 كان من بين الأعلى في قائمة الأعوام المسجلة.

ولا يعدّ القلق المناخي مجرد فكرة، فقد وصفت مقاطعة كولومبيا البريطانية بكندا موسم حرائق الغابات في كندا عام 2023 بأنه الأكثر تدميرا في تاريخها المسجل.

ووصفت الحكومة الفيدرالية الكندية عام 2025 بأنه ثاني أسوأ موسم حرائق غابات في تاريخ كندا، وهو وصف يجعل "موسم الحرائق" يبدو وكأنه تقويم دائم. وفي البرازيل، تسببت الفيضانات الكارثية في "ريو غراندي دو سول" في مقتل ما لا يقل عن 181 شخصا وأدت إلى تسجيل أرقام قياسية في عمليات النزوح.

مصدر الصورة مشهد من فيلم "إنساني" (آي إم دي بي)

يكتسب رعب البيئة قوته لأنه لا يكتفي بتصوير الانهيار البيئي، بل يجسده، ويحول تغير المناخ إلى حضور يطارد الشخصيات، ويقتحم المنازل، ويعيد كتابة قوانين الطبيعة. ويتمثل جوهر هذا النوع الأدبي في التعامل مع "الطبيعة" كقوة تتفاعل وتعاقب وتستعيد.

إعلان

منظر طبيعي خلاب أم وحش؟

أحد أسباب ازدهار أدب الرعب البيئي هو أن الواقع المعاصر قد جعل من الصعب الحفاظ على أساليب السرد التقليدية المريحة.

يصف التقرير التجميعي السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والصادر تحت عنوان "تغير المناخ 2023" آثار ومخاطر تغير المناخ بأنها واسعة الانتشار، مما يعزز الشعور بأن الأزمة ليست بعيدة بل حاضرة.

عندما تستمر الأحداث العلمية والإعلامية في تقديم توقعات متطرفة، غالبًا ما يتحول الفن من "الطبيعة كخلفية" إلى "الطبيعة كحبكة". يظهر هذا التحول في الأعمال السينمائية والأدبية، حيث تبدو أقرب إلى التشخيص منها إلى الهروب من الواقع.

في فيلم "إنساني" عام 2024 (Humane)، تدور الأحداث "بعد أشهر قليلة من انهيار بيئي عالمي"، حيث يفرض قادة العالم إجراءات متطرفة لخفض عدد السكان، وهي فرضية مدفوعة بشكل واضح بتغير المناخ، مغلفة بأسلوب ساخر يجمع بين الرعب والإثارة. لا يصوّر الفيلم الطبيعة كوحش ذي مخالب، بل يصوّر الانهيار كوحش يعيد تشكيل الأخلاق والأسرة والقانون.

في الأدب، تستخدم رواية جوليا أرمفيلد "طقوس خاصة" عام 2024 (Private Rites)، التي نُوقشت بشكل بارز في العديد من المنابر النقدية والأدبية كعمل يتناول انهيار المناخ كخلفية وجودية مركزية، وليس كحبكة بيئية تقليدية.

النقاش حول الرواية جاء من كلا الجانبين، الصحافة الثقافية والمجال الأكاديمي/الأدبي. وقد صنعت أرمفيلد ارتباطا شرطيا بين انهيار العالم ونظامه البيئي وانهيار الأسرة نفسها، وكأن الكارثة المناخية تغير العلاقات والرغبات وما تعنيه البديهيات.

انتقام الطبيعة

يساء فهم شعبية أفلام الرعب البيئي، ويظن الكثيرون أنها مجرد ولع بالاستعراض، لكن جاذبيتها الأعمق تكمن في البعد الأخلاقي والنفسي. تبدو أفلام الرعب وقد صممت خصيصا لوضع المشاهد في حالة شعور بالذنب، لكن دون اعتراف صريح، وهو نوع من الأفلام لم يرد في التصنيفات بعد.

تدور العديد من روايات الرعب البيئي حول مواضيع الاستخراج والتلوث والإنكار، فالإنسان يأخذ، والطبيعة تجيب. لهذا السبب، يظل مفهوم "انتقام الطبيعة" حاضرا بقوة، فهو يجسد الخوف من أن العالم يستجيب لخياراتنا.

مصدر الصورة ملصق مسلسل "آخرنا" (الجزيرة)

كما يناسب هذا النوع الأدبي عصرا تشعر فيه المؤسسات بالعجز، وتبدو فيه الأنظمة السياسية عاجزة عن وقف الأزمة، فيما يقدم الرعب منطقا مختلفا، وهو تبعات التدمير والعجز عن وقف الكارثة.

يعكس الرعب البيئي المعاصر أيضا شكا ثقافيا بأن الأزمة قد تضخمت لدرجة يصعب معها سردها من خلال الواقعية وحدها.

رعب الكوكب الداخلي

إذا كان "انتقام الطبيعة" أحد أركان أدب الرعب البيئي، فإن الركن الآخر أكثر قربا وهو التحلل. العفن هو الخوف من تغير المناخ وقد تحول إلى واقع منزلي، يظهر حين يتسلل إلى الشقق، فتستعمر الفطريات البنية التحتية، وتتحول الغابات من الحالة الرعوية إلى الافتراس.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك رواية "القطيفة" 2023 (The Marigold) للكاتب الكندي أندرو ف. سوليفان، والتي تدور أحداثها في تورنتو المستقبلية القريبة، إذ تعصف بها الفوضى البيئية، وينمو شكل جديد مقلق من الحياة تحت سطح المدينة.

إعلان

لا يكمن رعب الرواية في الغزو الخارجي، بل في شيء تحتضنه المدينة نفسها، مما يعكس خوفا معاصرا من أن الانهيار ليس قادما، إنه موجود بالفعل داخل أسوارها.

لماذا "العفن" و"الفطريات" تحديدا؟ لأنهما استعارتان مثاليتان لوصف المناخ، إذ ينتشران بهدوء، ويتكيفان، ويطمسان الخط الفاصل بين المادة الحية والميتة. كما أنهما يربطان الخيال بمخاوف علمية حقيقية.

وقد حذر عالم الأحياء الدقيقة في جامعة جونز هوبكنز، أرتورو كاساديفال، علنا من أن افتراض استحالة حدوث جائحة فطرية هو "غرور"، مشيرا إلى أن تغير المناخ قد يساعد الفطريات على التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة، وأن مسببات الأمراض تجسد مخاطر ناشئة.

وقد عمق مسلسل "آخرنا" (The Last of Us) من إنتاج "إتش بي أو" فكرة أن ارتفاع درجات الحرارة قد يغير حدود التهديد الفطري، وهي فرضية تم تسليط الضوء عليها في بداية المسلسل، محولا الخوف من تغير المناخ إلى منطق رعب سائد.

وفي إصدارات عام 2026، يعود رمز "الغابة" في أدب الرعب البيئي بقوة. تحوّل رواية الأميركية أليسون ميك الأولى، "هومبولت كت" (Humboldt Cut)، التي تم تسويقها ونوقشت كعمل ينتمي إلى أدب الرعب البيئي، غابات الخشب الأحمر في شمال كاليفورنيا إلى فضاء مقلق وموحش.

يصبح المشهد الطبيعي نفسه مرتبطا بتاريخ الصناعة والاستغلال، وتتحول الطبيعة من خلفية صامتة إلى قوة تحمل أثر العنف البشري وتستعيد حضورها بوصفها مصدرا للخوف.

وتظهر جماليات الرعب البيئي في أدب الأطفال، أيضا، في صورة رعب "نباتي"، والمثال الأبرز على ذلك ورد في رواية الأسترالية سي. جي. دروز "لا تدع الغابة تدخل" 2024 (Don’t Let the Forest In) التي يتم تصنيفها بشكل روتيني كأدب رعب يتمحور حول الغابة.

مصدر الصورة رواية "طقوس خاصة" لجوليا أرمفيلد (الجزيرة)

لا يكمن المغزى في أن كل كتاب عن الغابة هو أدب مناخي، بل في أن الغابات في أدب الرعب المعاصر غالبا ما تتوقف عن كونها خلفيات رمزية وتصبح ميادين أخلاقية فاعلة.

الخوف من فقدان السيطرة

لا يقتصر الرعب البيئي على البيئة فحسب، بل يتناول أيضا قضايا السلطة، والسيطرة على الأرض، والإسكان، والطاقة، والغذاء. وتركز العديد من أعمال الرعب البيئي الحديثة على استغلال الشركات للموارد، وانهيار البنية التحتية، وعنف "الوضع الراهن".

في قصص الانهيار المناخي، غالبا ما يكون الوحش نظاما يرفض التوقف. ولهذا السبب أيضا يتداخل الرعب البيئي بشكل متكرر مع الرعب الاجتماعي، فهو يجسد الضرر البيئي جنبا إلى جنب مع عدم المساواة، والتهجير، والإنكار المؤسسي.

تتناسب جماليات الرعب البيئي، من تعفن زاحف وغابات معادية وانهيار أخلاقي، مع واقع يعيش فيه العالم أزمة المناخ كأجواء نفسية.

ولعل هذا هو الإنجاز الأكثر إثارة للقلق في هذا النوع الأدبي، فهو يجعل المشاهد يشعر بأن أشد ما يرعب ليس الوحش نفسه، بل إدراك أن هذا الوحش ليس إلا صورة مشوهة لعالمنا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار