آخر الأخبار

موسوعة الجامع الأموي.. قراءة في 5 آلاف عام من تاريخ دمشق

شارك

لم يكن إطلاق مشروع "موسوعة الجامع الأموي الكبير" في المكتبة الوطنية بدمشق مجرد احتفالية عابرة بمؤلف جديد، بل كان بمثابة إعلان عن استعادة "الذاكرة البصرية والمعمارية" لواحد من أعظم رموز الحضارة الإنسانية. فهذا المشروع الذي وقّعه الباحث والمؤرخ السوري أحمد إيبش، يأتي في وقت تحتاج فيه الهوية السورية إلى توثيق طبقاتها المتراكمة، ليتحول حفل الإطلاق إلى وقفة تأملية في تاريخ دمشق الذي يختصره هذا الجامع في جدرانه وأعمدته.

تتجاوز هذه الموسوعة، التي كُشف عن ملامحها برعاية وزارة الثقافة السورية وبحضور نخبة من الوزراء والباحثين، كونها رصداً تاريخياً لتتحول إلى "مختبر أركيولوجي" يقرأ في 12 طبقة زمنية تعاقبت على الموقع. إنها محاولة جادة لإعادة بناء المشهد الحضاري لدمشق منذ عهودها الكنعانية والآرامية، مرورا بالحقبتين الكلاسيكية والمسيحية، وصولا إلى الذروة المعمارية في العصر الإسلامي الأموي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 مسرح جرائم ريا وسكينة.. كيف انهارت "زنقة الستات" بالإسكندرية؟
* list 2 of 2 شارع النبي دانيال بالإسكندرية.. قبلة المثقفين التي نسيها المصريون end of list

واستضافت المكتبة الوطنية في العاصمة دمشق حفل إطلاق مشروع "موسوعة الجامع الأموي الكبير" برعاية وزارة الثقافة، والمشروع من تأليف وإعداد الباحث والمؤرخ السوري أحمد إيبش.

ويمتد المشروع إلى 3 مؤلفات أو أجزاء سيصدر أولها قريبا، وتشتمل الموسوعة على دراسة لتاريخ بناء الجامع عبر الأدوار والطبقات الأركيولوجية، إلى جانب دراسة معمارية تضم آراء أهم مؤرخي العمارة الكبار، بالإضافة إلى دراسة عن الفنون الزخرفية التي تميز بها الأموي عبر العصور، وخصوصا لوحات الفسيفساء الشهيرة التي كان الجامع بأكمله مزينا بها.

وتُرفق الموسوعة بألبوم من الصور الفوتوغرافية المنفذة بأعلى الأساليب الفنية الاحترافية، بهدف تخليد الهوية البصرية المرتبطة بالجامع، وإبراز قيمته الجمالية والمعمارية، وتوثيق حضوره الثقافي والروحي عبر الزمن.

مصدر الصورة معرض الصور الفوتوغرافية في مدخل المكتبة (الجزيرة)

حماية الذاكرة الوطنية

وشهدت الفعالية حضورا رسميا رفيع المستوى من وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، ووزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري، ووزير المالية محمد يسر برنية، ووزير الصحة مصعب العلي، وأيضا مستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الدينية عبد الرحيم عطون، بالإضافة إلى عدد من الباحثين والمختصين وطلاب جامعيين ومهتمين.

إعلان

وفي كلمة له في بداية الحفل، أوضح وزير الثقافة أن الموسوعة عمل علمي رصين يوثق أحد أبرز معالم دمشق الحضارية، ويستند إلى جهد توثيقي وبصري واسع يقدم من خلاله قراءة دقيقة تحترم التاريخ والتراث.

وأشار الوزير إلى أن الموسوعة تندرج ضمن مسار معرفي طويل تعمل عليه الوزارة، وهو مسار يفترض أن "حماية الذاكرة الوطنية تبدأ بتوثيق رموزها الحضارية الكبرى".

مصدر الصورة وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح (الجزيرة)

وبدوره، قال وزير الأوقاف إن الجامع الأموي شكل خلال تاريخه نموذجا للتعايش الاجتماعي والتسامح الديني في دمشق، معرجا على مراحل تحوله من معبد وثني إلى مساحة دينية مشتركة (جامع وكنيسة متلاصقان)، صلى فيه المسيحيون والمسلمون جنبا إلى جنب طوال سبعين عاما، قبل أن يتحول بأكمله إلى مسجد في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (بين عامي 86–96 هـ / 705–715 م).

وأكد الوزير أن الأموي واحد من أعلام المساجد في الإسلام، ومنطلق لإشعاع ديني وحضاري امتد من دمشق إلى مختلف أنحاء العالم، مشيدا بأهمية هذا المشروع في التعريف بتاريخ الجامع ومكانته.

مصدر الصورة وزير الأوقاف السوري محمد أبو الخير شكري (الجزيرة)

من جهته، أشار الباحث في علم الآثار عبد الرزاق معاذ إلى أن الجامع الأموي ما يزال حتى اليوم موضوعا مفتوحا للبحث والدراسة لما يحمله من تراكمات تاريخية وسياسية وعمرانية ودينية، معتبرا أن أهمية الموسوعة تأتي من كونها محاولة علمية جادة لجمع المعارف المتفرقة حول الجامع، وفتح آفاق جديدة للبحث الأكاديمي متعدد الاختصاصات.

طبقات تاريخية ضاربة بالقدم

وتلت الكلمات الرسمية محاضرة للمؤرخ والباحث أحمد إيبش أوجز من خلالها محتويات الموسوعة، مركزا على العلاقة الوطيدة بين تاريخ دمشق كمدينة وتاريخ الجامع الأموي كمعبد أولاه الحكام عبر العصور اهتماما كبيرا.

وأشار إيبش إلى أن تاريخ الأموي يتألف من نحو 12 طبقة أركيولوجية (معمارية وأثرية)، تبدأ مع العهد الكنعاني (الألف الثالث –الألف الثاني ق.م) عندما كان الجامع ما يزال هيكلا بسيطا للبعل، مرورا بتحوله إلى معبد كلداني لعبادة النجوم ثم معبد لزيوس (كبير الآلهة في الميثولوجيا اليونانية القديمة) ولاحقا معبد لجوبيتر (كبير الآلهة في الميثولوجيا الرومانية) في القرن الميلادي الأول.

مصدر الصورة الباحث السوري محمد إيبش (الجزيرة)

وبلغ الجامع – وفقا للمؤرخ – ذروته المعمارية في القرن الثالث للميلاد كمعبد وثني، قبل أن يتحول إلى كاتدرائية مسيحية في القرن الخامس، ثم إلى جامع في مطلع القرن الثامن بازغا كـ"آية من آيات الفن وبدائع العمارة".

مشروع أصيل

وحول أهمية هذه الموسوعة، يقول إيبش في حديث مع الجزيرة نت إن الموسوعة عمل بحثي وتأريخي غير مسبوق لهذه التحفة المعمارية، ويمكن اعتبارها إيكونوغرافيا (دراسة تحليلية للرموز البصرية) أركيولوجية لوجه دمشق بكامله؛ لأن تاريخ الجامع وطبقاته ما هي إلا تاريخ دمشق بأكمله.

أما عن القيمة المضافة لألبوم الصور المزمع إصداره إلى جانب الموسوعة، يشير إيبش إلى أن الصور ذات التقنية العالية في غاية الأهمية لأن ثمة عبارات محفورة على الجدران لا يمكن قراءتها بالعين المجردة وهي بحاجة لتصوير احترافي وتكبير لتصبح في متناول الجميع.

إعلان

وأوضح المؤرخ أن التصوير سيشمل كل "شبر مربع" من الجامع بالإضافة إلى مخططات معمارية شارحة.

الجدير بالذكر أن الدكتور أحمد إيبش هو باحث ومؤرخ سوري متخصص في التاريخ الإسلامي والتاريخ الحديث، وبخاصة تاريخ بلاد الشام في العهد العثماني، والتراث الحضاري لجزيرة العرب وطبوغرافيتها التاريخية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار