أكثر من 20 عاما مرت على إصدار المفكر والمترجم البوسني أسعد دوراكوفيتش ترجمة القرآن الكريم باللغة البوسنية (2004)، قبل أن يصدر في أواخر عام 2023 نسخة ثانية عكف على إتمامها لعقدين من الزمان، وطبعت في إسطنبول برعاية "مركز الدراسات المتقدمة".
تحدثت الجزيرة نت مع دوراكوفيتش المقيم في سراييفو، وأجرت معه الحوار التالي:
بوجه عام، علاقتي بالنص القرآني اليوم ليست هي نفسها قبل 20 عاما. فهو النص المحوري لكون ثقافي وديني شديد التعقيد؛ هو نص يبقى ثابتا إلى الأبد، لكننا نحن نتغير، كما أن علاقتنا به وفهمنا لرسائله ليست دائما على حال واحدة باستثناء الأمور المتعلقة بالتوحيد.
لذلك، لا بد من القول إنه لا توجد ترجمة نهائية ولا كاملة لهذا النص الأصلي الذي يظل عليًّا وأعظم من أي إنجاز في الترجمة.
كان هناك سبع تراجم كاملة للقرآن الكريم إلى اللغة البوسنية اهتمت بنقل المعنى دون الالتفات إلى أسلوب وبلاغة النص القرآني الفريدة
باختصار شديد، فإن ترجماتنا السابقة وفهمنا للنص كانا يميلان أحيانا إلى نوع من "السلبية"، وإلى بث الخوف من الله، في حين أن النص في جوهره مشحون بالإيجابية. وقد سعيت هذه المرة إلى نقل أقصى قدر ممكن من هذه الإيجابية، بدءا من تعابير مثل "يوم الدين" و"يوم القيامة" و"اتقى".
أرى أن هناك حاجة اليوم إلى تنمية محبة الله في نفوس المؤمنين، لا الخوف من الله، لأن المحبة تحفز وتشجع على الأفعال الإيجابية، بينما الخوف يفضي إلى السلبية والجمود. هذه هي وجهة نظري، ولا أفرضها على أحد.
قبل ترجمتي كان هناك سبع تراجم كاملة للقرآن الكريم إلى اللغة البوسنية. وقد اهتمت جميعها بنقل المعنى دون الالتفات إلى أسلوب وبلاغة النص القرآني الفريدة. وكان هدفي أن أنقل، قدر المستطاع ضمن الطاقة البشرية، ولو جزءا من جماله الأسلوبي، مع علمي بأنه لا يمكن لأي ترجمة أن تنجح في ذلك نجاحا كاملا، غير أنني أردت التنبيه إلى هذه القيم للنص.
لذلك السبب كنت أهتم بالقوافي، وبإيقاع النص، وبالانقلابات الأسلوبية التي تمنحه نبرة قدسية، بل إنني قمت في نهاية الترجمة بوضع قائمة القوافي في السور. وقد تنبه قراء ترجمتي إلى ذلك، ووصلتني ردود فعل إيجابية جدا.
القرآن الكريم هو "كلمة الله"، أما الترجمة فهي "كلمة الإنسان" التي تحاول الاقتراب من كمال كلمة الله، لكنها لا تنجح في ذلك تماما
توجد أنواع متعددة من الصعوبات، وتكمن في أن اللغة العربية أغنى كثيرا من اللغة البوسنية وتتميز بتعدد دلالي استثنائي. ويقع المترجم أمام اختيارات الكلمات، إذ إن اختياره لنقل معنى واحد من معاني كلمة ما يترتب عليه بالضرورة إقصاء المعاني الأخرى عن الترجمة.
لذلك السبب ينبغي السعي إلى تحقيق الحد الأمثل، والبحث عن أنسب مقابل في اللغة البوسنية، غير أن بعض الخسائر تبقى حتمية. وأرى أن هذا الأمر موجود في الترجمات إلى أي لغة، لأن النص الأصلي يظل أعلى وأعظم من كل ترجمة.
يمكنني القول إنه لا يجب تجنب المعنى الدلالي واستبداله بالمعنى المقصود، لأن ذلك يؤدي إلى فقدان القيم الأسلوبية للنص. على سبيل المثال، يجب نقل الاستعارة كاستعارة، وليس تحويلها إلى المعنى المقصود. فمثلا في الآية "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" لا يجب التخلي عن المعنى الدلالي ويمكنك تفسير المعنى المقصود في الهامش أو في التفسير.
ليس كل النصوص المقدسة متشابهة ومتميزة بالبلاغة العالية المتطورة، وبالتالي فإن الترجمات ليست متساوية من حيث الخسائر والمكاسب. فمثلا، الكتاب المقدس ليس كلمة الله الأصلية، بل كتبه البشر. وكذلك الأمر مع نصوص مقدسة أخرى.
لا يمكن للتعليق أو التفسير أن يعوض عن فقدان الجمال الذي يتمتع به النص الأصلي، بل يمكنه فقط شرح القيود الضرورية التي يفرضها المترجم
أما القرآن الكريم، فهو كلمة الله الأصلية التي تتميز بالأصالة في كل حرف منها. وينبغي أيضا أن نأخذ في الاعتبار أن النصوص المقدسة الأخرى لا تصر على الجانب الأسلوبي كما يصر القرآن الكريم، الذي رفع تعبيره وبلاغته إلى مستوى المعجزة.
لذلك السبب، فإن مترجم الكتاب المقدس ومترجم القرآن الكريم ليسا في نفس الموقع إطلاقا، إذ إنه من الصعب جدا مقارنة ترجمة القرآن الكريم مع الحفاظ على شكله ومضمونه مع ترجمة النصوص المقدسة الأخرى.
ببساطة، فإن القرآن الكريم هو "كلمة الله"، أما الترجمة فهي "كلمة الإنسان" التي تحاول الاقتراب من كمال كلمة الله، لكنها لا تنجح في ذلك تماما.
الترجمة والتفسير شكلان مختلفان. غالبا ما يجبر المترجم على شرح ما لم يتمكن من نقله في الترجمة من خلال التعليق أو التفسير، نظرا لتعدد معاني النص الأصلي. ومع ذلك، لا يمكن للتعليق أو التفسير أن يعوض عن فقدان الجمال الذي يتمتع به النص الأصلي، بل يمكنه فقط شرح القيود الضرورية التي يفرضها المترجم.
يمكننا أن نقول إن ترجمة هذا النص تشبه الرقص في القيود، أو ببساطة، فإن الأمر يتعلق بنوعين متوازيين من العلاقة مع النص الأصلي.
في عملي الترجمي خلال السنوات الأخيرة -وأتحدث هنا عن ترجمة النصوص الأدبية-، لا أستعمل مصطلح "الترجمة" بل أستعمل مصطلح "النقل". يبدو لي هذا المفهوم أفضل.
ففي الواقع، يمكن نقل النصوص التي تتمتع بقيم جمالية أسلوبية عالية جدا إلى لغة أخرى غالبا باستعمال ما يعادلها وليس ترجمتها، لأن مصطلح "الترجمة" يكون أكثر ملاءمة عند التعامل مع نصوص، على سبيل المثال، ذات الأسلوب الإداري الوظيفي، التي لا تتميز بالقيم الجمالية.
لم أكن أبدا من مؤيدي الترجمة الحرفية، ولذلك السبب أفضل استعمال مصطلح "النقل" بدلا من مصطلح "الترجمة" في مثل هذه الحالات. وقد شددت على ذلك.
هذا النص المقدس غني جدا، فوفقا لذلك يفقد الكثير عند الترجمة الحرفية. ربما يمكنني أن أذكر مثالا واحدا. جميع ترجماتنا كانت تترجم كلمة الرحمن على أنها مرادف كامل لكلمة الرحيم. هذا ولكن هناك فرق كبير بينهما.
أقصد بالقول إن كلمة "الرحمن" يمكن أن تكون صفة لله وحده، لأن الله وحده يمكن أن يكون رحيما بشكل مطلق تجاه كل شيء، ولذلك فهذه الصفة محجوزة له وحده.
أما صفة "الرحيم" فيمكن أن تنسب أيضا إلى الإنسان. وبالتالي، فإن الترجمة الحرفية تفقد معنى مهما ومغزى النص.
ترجمتُ ما لا يقل عن 15 كتابا من الأدب العربي. ومن بينها روايات، وكذلك أنطولوجيات شعر لعدد من البلدان العربية (فلسطين والكويت والأردن وسوريا)، إضافة إلى معظم أعمال جبران خليل جبران، ومحمود درويش، وغيرهما.
غير أنني أشعر برضا خاص لتحقيق هدف مهم من أهدافي، وهو ترجمة ثلاثة مؤلفات أساسية في العالم العربي الإسلامي:
في البوسنة نحن مرتبطون باللغة العربية ليس فقط لأنها لغة عالمية، بل لأننا مرتبطون بها أيضا من خلال الإسلام
حاليا أعمل على توسيع دراسة منشورة باللغتين البوسنية والإنجليزية بعنوان: "دراسة الأسلوب كحجة: أمام نص القرآن الكريم".
للأسف، تعيش العلوم الإنسانية عموما وفي العالم كله حالة أزمة، وكذلك دراسة اللغة العربية وآدابها فيتناقص عدد الطلبة المهتمين بدراسة اللغات والعلوم الإنسانية، على الرغم من أن اللغة العربية تعد واحدة من عدد قليل جدا من لغات العالم الكبرى.
إن عالمنا يشهد، على نحو عام وعالمي، عملية نزع للإنسانية. غير أننا في البوسنة مرتبطون باللغة العربية ليس فقط لأنها لغة عالمية يتحدث بها، فيما أظن، أكثر من 400 مليون إنسان فحسب، بل لأننا مرتبطون بها أيضا من خلال دين الإسلام. وهذه اللغة بالغة الأهمية بالنسبة لنا.
في كلية الفلسفة بجامعة سراييفو، التي عملت فيها حتى التقاعد، يوجد قسم لدراسة اللغة العربية وآدابها منذ أكثر من سبعين عاما، وهذا أمر مثير للإعجاب.
غير أننا كنا نتوقع دعما أكبر من الدول العربية لهذا التخصص، على غرار الدعم الذي يقدم، مثلا، لدراسات السينولوجيا، والتركولوجيا، وبعض اللغات والثقافات الأخرى. فاللغة العربية لغة صعبة الدراسة وتتطلب جهدا خاصا.
في السنوات الأخيرة، على سبيل المثال، لم ننجح في القسم في الحصول من العالم العربي حتى على مدرس لغة عربية (محاضر) كي يدرس طلابنا المحادثة، لأن هذا لا يمكن أن يقوم به على نحو جيد إلا متحدث أصلي للغة.
وقد بذلت شخصيا جهودا في هذا الشأن دون جدوى. ثم إنه سيكون من المفيد جدا أن نحصل من العالم العربي، ولا سيما من الدول الأكثر ثراء، على دعم لنشر الدراسات في مجال الاستعراب (الدراسات العربية)، فالاستثمار في الكوادر البشرية هو أفضل أنواع الاستثمار، وكل شيء يمر عبر اللغة. ولا ينبغي ترك الساحة للهيمنة الشاملة للغة الإنجليزية.
هذا سؤال صعب ومعقد حقا. لكن سأحاول أن أكون موجزا. لقد نصحت دائما طلابي، وما زلت أنصح جميع الشباب اليوم، بأن يأخذوا عملهم على محمل الجد ويؤدوه بأفضل طريقة ممكنة.
ليس من الصعب كثيرا أن تكون رائدا مقارنة بالآخرين، بل يجب أن تكون رائدا تجاه نفسك، وهذا هو مفتاح أعظم نجاح. أعتقد أن هذه النصيحة تتوافق مع ما تحدثت عنه سابقا بخصوص التقدم المستمر للإنسان وتغيره نحو الإيجابية والتقدم.
عندما نتحدث عن الإسلام، أي المسلمين، يجب أن نعترف بأن العالم الإسلامي اليوم يمر بأزمة وقد نشرت حول ذلك كتابا بعنوان "أزمة العالم الإسلامي كأزمة للذات".
وأنا أصر على أن يعاد إدخال النص المقدس، أي القرآن الكريم، في سياقنا وفي زمننا، وأن هناك حاجة لإعادة تفسيره، لأنه اليوم في معظم العالم الإسلامي يكتفى فقط بالتلفظ به لفظيا. هذا النص اليوم ليس في كامل طاقته وفي سياقه الحقيقي. لا نتعامل وفقا لجوهره. وهنا تكمن المشكلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة