لم تكن البداية صادمة، رسالة عادية على «واتس أب»، عرض بسيط، وتجربة بمبلغ صغير، ووعد بأرباح مضمونة، لكن النهاية كانت قاسية، مدخرات عُمر كامل تبخّرت خلال أسابيع قليلة.
مدير مركز مكافحة الاحتيال في شرطة دبي، المقدم علي اليماحي، أكد لـ«الإمارات اليوم» أن الاحتيال عبر الاستثمار والتداول الوهمي يعد من أكثر أساليب الاحتيال الإلكتروني شيوعاً، وأكثرها استنزافاً لأموال ومدخرات الضحايا».
وقال إن المحتالين يغرون الضحايا بمكاسب سريعة غير منطقية، تصل في بعض الأحيان إلى 20% شهرياً وهذا أمر مستحيل، ويستدرجونه بالحصول منه على مبالغ صغيرة، وتحويل أرباح له استولوا عليها من ضحايا آخرين حتى يقع في الفخ ويهدر أمواله عليهم، مثل شخص حول نحو 500 ألف درهم إلى حسابات شخصية خلال شهرين فقط بقصد التداول، واكتشف أنه تعرض للاحتيال بعد فوات الأوان.
وتفصيلاً، قال المقدم علي اليماحي إن للاحتيال الإلكتروني صوراً مختلفة، من أبرزها التداول الوهمي، سواء في العملة الرقمية أو المعادن أو غيرهما، مشيراً إلى أن هذه الجرائم تتنشر على صعيد عالمي، وتحوّلت إلى ما يشبه «اقتصاداً خفياً»، لذا بادرت شرطة دبي بمواجهتها وغيرها من أشكال الاحتيال، سواء الإلكتروني أو الهاتفي أو التقليدي بإنشاء مركز متخصص، يعمل على مدار الساعة لقطع الطريق على المحتالين.
وأضاف أن «تغيّر سلوك الأفراد بعد (كورونا)، والاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية، أوجدا بيئة خصبة للمحتالين، ما استدعى وجود كيان متخصص يتعامل مع الاحتيال بشكل منفصل عن الجرائم الإلكترونية التقليدية».
وأوضح أن «المركز يجمع كل أنواع الاحتيال تحت مظلة واحدة، ويعمل على مدار 24 ساعة، بالتنسيق مع البنوك والجهات المختلفة، للتدخل السريع وتجميد الأموال قبل انتقالها بين الحسابات».
وأكد أن «فصل الاحتيال عن الجرائم الإلكترونية كان خطوة مهمة، لأن الاحتيال أصبح يعتمد بشكل كبير على العامل النفسي، وليس التقني فقط».
وتابع اليماحي: «المحتال الذي يغري ضحاياه بعمليات التداول الوهمية لا يطلب في البداية مبالغ كبيرة، بل يبدأ ببناء ثقة»، موضحاً أن الضحية غالباً ما يكون شخصاً يبحث عن تنمية مدخراته.
وأضاف أن «المرحلة الأولى تبدأ بطلب تحويل مبلغ بسيط، ثم يُفاجأ الضحية بأرباح سريعة، قد يتمكن حتى من سحب جزء منها، مشيراً إلى أن هذه الأرباح في كثير من الأحيان تكون من أموال ضحايا آخرين، يتم تدويرها لإقناع الضحية الحالية.
وأوضح أن «المحتال يستخدم أسلوب التدرّج»، حتى يتمكن من الشخص المستهدف، وحين يرى الضحية أرقاماً تتضاعف أمامه، يبدأ في زيادة المبالغ.
وأكد أن «العامل النفسي هنا هو الأساس، حيث يتم اللعب على الطمع والخوف من ضياع الفرصة، فيستخدم المحتال عبارات مثل «أمامك فرصة لن تتكرر»، أو «أرباح مضمونة»، حتى يدفع الضحية لاستخدام قرارات سريعة.
وقال مدير مركز مكافحة الاحتيال في شرطة دبي إن «المرحلة النهائية من الجريمة تبدأ عندما يشعر الضحية بالقلق، ويطلب سحب أمواله وأرباحه التي لا يحصل عليها طوال تنفيذ الجريمة، وفي هذه الحالة يعقد المحتال الأمور أمامه، فيطلب رسوماً أو ضرائب وهمية أو مبالغ إضافية، لافتاً إلى أن الضحية يستمر في الدفع أملاً في استرجاع أمواله، قبل أن يكتشف أن كل شيء كان وهماً».
وكشف اليماحي عن حالة لشخص خسر نحو 500 ألف درهم، في عمليات تداول وهمية، لافتاً إلى أن هذا الرجل كان على وشك التقاعد، وكان يبحث عن وسيلة لاستثمار مدخراته.
وأضاف أن «التواصل بدأ عبر (واتس أب)، وتم إقناعه بتحويل مبلغ بسيط، عبارة عن 1000 درهم فقط، على وعد بالحصول على نسبة 20% شهرياً، وفوجئ فعلياً بتلقي 200 درهم ربحاً على المبلغ الأول الذي استثمره في هذه المنصة، الأمر الذي أغراه بالاستمرار».
وأشار إلى أن المجني عليه تحمس للغاية حين تلقى الربح المغري، وضاعف تحويلاته تدريجياً، ومع كل مرة كان يرى أرباحاً أكبر، لكنه لا يتسلمها، حتى وصل إجمالي المبلغ الذي حوّله إلى نحو نصف مليون درهم.
وأفاد اليماحي بأن الرجل بدأ يشعر بالقلق عندما طلب سحب مبلغ من رصيده لديهم، إذ طلب منه دفع مبالغ إضافية، وهنا أدرك أنه تعرض للاحتيال، لافتاً إلى أنه حوّل الأموال إلى أكثر من 10 حسابات شخصية، في بنوك مختلفة، من دون أن يفكر بتأنٍّ أو يسأل نفسه كيف تكون منصة معتمدة وذات مصداقية وتتلقى الأموال عبر حسابات بنكية لأشخاص.
وتابع أن المجني عليه في هذه الواقعة أبلغ شرطة دبي، وتعامل مركز الاحتيال مباشرة مع الواقعة، وتم ضبط المتهمين، لكن بكل أسف تم تحويل الأموال إلى حسابات خارجية، نظراً لتأخره في الإبلاغ.
وأكد اليماحي أن «المحتال لا يبيع فكرة فقط، بل يصنع بيئة كاملة»، مشيراً إلى أن «الضحية يرى منصة، وأرقاماً، وتقارير أرباح، فيشعر بأنه داخل نظام حقيقي، ما يزيد من مصداقية هذه المنصات في نظره، ويوقعه في الفخ أملاً في تحقيق أرباح كبيرة»، مبيناً أن هناك أشخاصاً متعلمين وذوي ثقافة عالية وقعوا ضحايا لهذا النوع من الاحتيال.
وأوضح أن «أي عائد استثماري يصل إلى 20% شهرياً هو مؤشر خطر واضح»، مؤكداً أن الأسواق الحقيقية لا تعمل بهذه الطريقة، ولو كانت هذه الأرباح حقيقية، لدخلت فيها المؤسسات الكبرى قبل الأفراد، والحكومات قبل الأفراد.
وأشار اليماحي إلى أن تحويل الأموال إلى حسابات شخصية هو القاسم المشترك في أغلب قضايا الاحتيال، مبيناً أن الشركات المرخصة لا تطلب تحويل الأموال إلى حسابات أفراد.
وأكد أن «مركز مكافحة الاحتيال يعمل وفق مبدأ السرعة»، في ظل أن «الأموال المتحصلة من تلك الجرائم تتحرك خلال دقائق بين حسابات متعددة حتى يصعب تتبعها من قبل الأجهزة الأمنية، كما أن غالبية المحتالين يوجدون خارج الدولة.
وأضاف أن «التدخل السريع بالتنسيق مع البنوك يمكن أن يوقف جزءاً من الخسائر، لكنه يعتمد على سرعة البلاغ من الضحية»، مشيراً إلى أن التأخير في الإبلاغ يمنح المحتال فرصة أكبر لإخفاء الأموال، مناشداً أفراد المجتمع باللجوء إلى الجهات والشركات المرخصة المعتمدة من الدولة.
كيف تتجنب التداول الوهمي؟
أكد المقدم علي اليماحي خمسة إجراءات يجب التحقق منها قبل البدء في عمليات التداول، تجنباً للوقوع فريسة عمليات احتيال ونصب، وتشمل:
■ عدم الوثوق بالأرباح السريعة.
■ التحقق من الشركة وترخيصها.
■ عدم تحويل أموال لأشخاص.
■ عدم اتخاذ قرار الاستثمار بسرعة.
■ الإبلاغ فوراً عند الشك.
• المحتال الذي يغري ضحاياه بعمليات التداول الوهمية لا يطلب في البداية مبالغ كبيرة، بل يبدأ ببناء ثقة.
المصدر:
الإمارات اليوم